2010/12/30 بقلم علي بدوان bdwan60@scs-net.org

الأحد ٠٢ يناير ٢٠١١ - ٠٢:٠٩ بتوقيت غرينتش

الصين كما رأيتها قبل أيامعدت قبل أيام قليلة إلى دمشق بعد زيارة جمهورية الصين الشعبية بدعوة رسمية، قيض لي من خلالها الاطلاع المباشر على أحوال التجربة الصينية بعد سنوات من انطلاقتها المتجددة، وذلك بشكل مباشر دون تخسيس أو تطاير في تقييم الجديد في التجربة الصينية المعاصرة في مجالاتها المختلفة، والاطلاع على بعض ما حققه الصينيون من تقدم صناعي وتنمية مجتمعية ونهضة عمرانية.التجربة التي تحتاج لتقييم مدروس

الصين كما رأيتها قبل أيام

 

 

 

عدت قبل أيام قليلة إلى دمشق بعد زيارة جمهورية الصين الشعبية بدعوة رسمية، قيض لي من خلالها الاطلاع المباشر على أحوال التجربة الصينية بعد سنوات من انطلاقتها المتجددة، وذلك بشكل مباشر دون تخسيس أو تطاير في تقييم الجديد في التجربة الصينية المعاصرة في مجالاتها المختلفة، والاطلاع على بعض ما حققه الصينيون من تقدم صناعي وتنمية مجتمعية ونهضة عمرانية.

التجربة التي تحتاج لتقييم مدروس

وبالطبع، لا أستطيع الزعم بأن تقييم التجربة الصينية الهائلة (بسلبياتها وإيجابياتها) أمر سهل المنال أو يمكن اختصاره بكلمات هنا أو جمل هناك. فالنظر في التجربة الصينية، ووضعها على ميزان القياس والفحص والتقييم يحتاج لشروح مستفيضة، كما يحتاج لإعمال العقل، وذلك في سياقات التمعن بهذا النجاح الكبير، والتطور الملفت الذي شقته الصين وتنينها العملاق الصاعد على أكثر من صعيد، خصوصاً منها في المجال الاقتصادي، حيث باتت الصين واحدة من أول أربعة اقتصادات كبرى تتربع عرش الاقتصاد العالمي، بالرغم من خروجها مثقلة ومنهكة بعد حرب التحرير الوطنية التي قادها المؤسس التاريخي لجمهورية الصين الشعبية ماوتسي تونغ، الذي الحق الهزيمة بمنافسه اللدود (تشن كاي تشك) الذي غادر أراضي الصين باتجاه جزيرة تايوان (فورموزه سابقاً) معلناً من على أرضها قيام الصين الوطنية.

إن الفورة الاقتصادية الصينية، لم تكن لتأتي بيسر وسهولة، بل جاءت مخاض ولادة عسيرة، لم يكن ممكناً لها أن ترى النور بسهولة بعد عقود من الانغلاق الذي عاشته الصين الشعبية في ظل أزماتها المتعلقة بالصين الوطنية (تايوان) والحرب الكورية عام 1955 وأزمات الهند الصينية مع وجود الاحتلالين الفرنسي والأميركي لبلدان تلك المنطقة، وبعد حصار دولي هائل مورس بحقها ابان اشتداد صراع الأقطاب والحرب الباردة، التي ترافقت مع صراع (صيني/روسي) بين رفاق الأيديولوجيا اتخذ عناوين الخلاف في الاشتقاق الأيديولوجي لأبناء المدرسة الماركسية اللينينية.

كانت انطلاقتنا في زيارة الصين هذه المرة، من العاصمة بكين إلى مدينة تيانجين الواقعة إلى الجنوب من بكين، وهي المدينة الثالثة في الصين بعد شنغهاي وبكين، والمدينة الاقتصادية المرشحة لتبوؤ المكان الأول في الاقتصاد الصيني ومنتوجاته خلال السنوات القادمة.

فمدينة بكين كانت نقطة البداية هذه المرة بالنسبة لي في زيارة الصين الشعبية، انطلاقاً من مينائها الجوي الذي بات يضاهي كبرى مطارات العالم من حيث الفخامة والانتظام والدقة والترتيب وسلاسة الاجراءات، انتقالاً إلى قلب العاصمة بكين المتغيرة باستمرار من يوم لآخر بفضل التطور العمراني المذهل، والبنية التحتية العالية الجودة من جسور وأنفاق ومحطات للمترو، ومن تأمين سريع ومتطور للخدمات، وهي مسائل يستطيع المرء مشاهدتها وتلمسها على أرض الواقع دون شرح أو توضيح من أحد.

فمدينة بكين اليوم، هي مدينة استثنائية في العالم المتطور، وعاصمة فعلية لدولة كبرى، بعمرانها المهيب، وبنسقها المدروس، فأكاد أزعم مثلاً أن شبكة الطرق في مدينة بكين ليس لها مثيل في العالم، حيث أقامت الحكومة الصينية ستة طرق دائرية حول العاصمة، وزادت من عدد الشوارع ذات الاتجاهين ليبلغ عدد مسارب كل اتجاه ثمانية، بينما يبلغ عرض الرصيف على كل جانب حوالي عشرين متراً.

ومن المعروف بأن الصين الدولة الأولى في العالم بانتاج الاسمنت، لذلك يقال أن نصف مشاريع البناء الجارية اليوم في العالم توجد في الصين، وأن من المتوقع أن تقيم الصين خلال العقدين القادمين ما بين عشرين إلى خمسين ألف ناطحة سحاب جديدة.

اشتراكية بخصائص صينية

في اللقاءات التي تمت في بكين مع العديد من الفعاليات والجهات الرسمية وشبه الرسمية، يبدو على الفور أن الصين تشعر بثقة كبيرة بالنفس، وتنطلق من فلسفة سياسية تضع مصلحة الصين الذاتية فوق كل شيء، في رؤية براغماتية بعيدة عن الجمود والدوغمائية ترفع شعار «اشتراكية بخصائص صينية» كموجه أفكار وخطة عمل لنظام مميز في ادارة الحكم والاقتصاد والتنمية المجتمعية والعلاقات الدولية، ولضمان استمرار وديمومة التنمية الاقتصادية والتنمية المجتمعية وبناء الدولة مع الحفاظ على الاستقرار السياسي وعلى البناء والنسق الأيديولوجي انطلاقاً من مركزية القرار والقيادة الجماعية في اطار قيادة الدولة والحزب.

ومع أن زيارتي المشار اليها إلى بكين لم تكن الأولى، الا أنها كانت الزيارة الأكثر تأثيراً وترسيخاً في محاولتي الدؤوبة لفهم هذا النهوض الكبير للصين خلال العقود الثلاثة الماضية والصعود الهائل لهذا العملاق الآسيوي، وتطوره من بلد متخلف، كانت الزراعة العماد الأساسي لاقتصاده الوطني، ليصبح الآن في مصاف دول العالم ذات النمو القومي المتزايد بوتائر عالية مقارنة بغيرها من الدول الصناعية الكبرى في العالم، خصوصاً بعيد سنوات من سياسة الانفتاح التي أقرها وصاغها وقادها زعيم الصين (دنغ هسياو بنغ)، فرجل الاصلاح الصيني الحقيقي هو ذلك التحديثي القصير القامة (دنغ هسياو بينغ) حيث ترتفع فوق قمة جبل مدينة تشينجن الفريدة في جنوب الصين تمثاله المطل صوب بحر الصين وعلى بعد أقل من ثلاثة أميال من جزيرة هونغ كونغ، والذي أدام حكم النظام الحزب الشيوعي وعلمه الأحمر الذي يزين الساحات الصينية، ومع ذلك، أصبحت الصين في ظله رابع عملاق اقتصادي في العالم، واستطاعت اسقاط النظرية القائلة أن التقدم الاقتصادي لا يتحقق الا في ظل نظام رأسمالي. لتصبح الصين دولة يُحسب لها حساب اليوم في أي قرار دولي، دولة لا تسعى إلى ممارسة نفوذها الاقليمي بالوسائل البائدة، بل بالحوار والتبادل التجاري، لتصبح اللاعب الأساسي في حل الأزمة النووية مع كوريا الشمالية على سبيل المثال، وليصبح صوتها هو الأعلى بين الأصوات الداعية إلى استبعاد العقوبات كوسيلة لحل مسألة الملف النووي الإيراني.

فالصين اليوم تمتلك رابع القدرات الاقتصادية في العالم بعد كل من الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا واليابان، حيث تشير تقديرات فلاسفة الاقتصاد في العالم بأن الاقتصاد الصيني سيصبح اكبر اقتصاد في العالم قبل منتصف هذا القرن، بل ان البعض توقع حدوث ذلك عند نحو 2035 اذا استمرت معدلات النمو الحالية للاقتصاد الصيني، المتبوعة بسياسات رشيدة على المستوى الاقتصادي المتبع في اطار العلاقات المتبادلة مع دول العالم، مترافقة مع تنمية عوامل الاستثمار الصيني في الخارج، والاستثمار الخارجي في الصين، بعد أن كان محظوراً لعقود خلت، سياسة رشيدة تضع أمامها ضرورة تحقيق قفزات نوعية وبشكل سنوي في هذا المضمار، متناغمة مع سياسة خارجية صينية تقوم على الاعتدال وتجنب الصدام «المباشر» مع القوى المقررة في الشأن الدولي، وعدم الخوض في قضايا دولية لا تؤثر مباشرة على أمن الصين ومصالحها الاقتصادية، وبالتالي تجنب الدخول في نزاع سياسي أو اقتصادي مع الولايات المتحدة التي تبطن بحق الصين موقفاً غير مريح، وتتوجس لها الشر كل حين.

فالولايات المتحدة على سبيل المثال تضغط اليوم بشكل كبير ومتزايد كي تقوم الصين بتعديل سياستها المالية ورفع قيمة عملتها الوطنية على أمل أن يساهم ذلك في تعديل الميزان التجاري بين البلدين، حيث تحقق الصين فائضاً تجارياً متزايداً في تجارتها مع الولايات المتحدة، مما يؤثر سلبيا على صناعات أميركية عديدة وعلى فقدان أعمال بتلك الصناعات حتى أن معهد السياسة الاقتصادية الأميركي قد أشار إلى أن العجز التجاري الأميركي مع الصين قد كلف الولايات المتحدة خسارة (3.2) مليون وظيفة ما بين عامي (2001-2007).

فيما يقابل الاقتصاديين والمسؤولين الحكوميين الصينيين الموقف الأميركي الداعي لتعديل السياسة المالية الصينية، بقولهم « ان السبيل الأمثل لتعديل الميزان التجاري بين الصين والولايات المتحدة يكمن في قيام الولايات المتحدة بالسماح بتصدير التكنولوجيا الصناعية المحظورة مقابل قيام الصين بفتح أسواقها أمام البضائع الأميركية».

ملاحظات واستنتاجات

ان الصين تمتلك الآن أسرع اقتصادات العالم نموا (11% سنويا)، وتحتل المرتبة الأولى في ادخار الاحتياطات الأجنبية حيث بلغت (1534) مليار دولار (بالدرجة الأولى الدولار الأميركي). وتمتلك أكبر جيش في العالم من حيث العدد (يتراوح بين(2.5-3) مليون فرد)، ورابع أكبر ميزانية دفاع في العالم والتي تتزايد بنسبة (10%) سنويا»، لكنها مازالت بحاجة لخطوات وخطوات أكبر حتى تأخذ مكاناً حقيقياً في الاقتصاد العالمي، لتظهر كلاعب مستقل في المجتمع الدولي، يستطيع فرض شروطه التي يفضلها، ولايقبل أو يستجيب لشروط الآخرين ورغباتهم السياسية تجاه العديد من القضايا الدولية المطروحة على جدول أعمال المجتمع الدولي.

وفي هذا السياق، فإن التوجه الاقتصادي الصيني يفترض به ان يتكامل مع اعادة تنشيط الدور السياسي للصين، فإهمال الجانب السياسي المتعلق بالحراكات الدولية الكبرى يضعف الموقف الصيني عند اصدقاء الصين الذين يرون بأن لبكين دوراً مهماً في ســـــياق ادارة السياسات الدولية، وفي ســـــياقات كـــــسر حدة الاستقطاب الدولي الذي تعمل واشنطن على تكريــــسه انطلاقاً من مصالحها الكونية، وانطــــلاقاً من رغبـــــتها بادامة امساكها بخيـــــوط اللــــــــعبة الدولية غير عابئة بمصالح باقي دول العالم بما فيها الدول الكبرى كالصين وروسيا واليابان ودول الاتحاد الأوروبي.

من هنا، من غير المفهوم مثلاً أن دولة مصطنعة اسمها «اسرائيل» تضغط للحصول على المزيد من تحقيق (التحييد) للموقف الصيني تجاه قضايا الشرق الأوسط انطلاقاً من شعورها بحاجة الصين لما لديها من تكنولوجيا عسكرية.

ومع ذلك، فإن الموقف الصيني وعلى مستوياته المختلفة مازال محافظاً على نسقه التاريخي في اسناد القضايا العربية، ومنها قضية فلسطين، وهو ما يتطلب من العرب بشكل عام رفع درجة الاهتمام والعناية بملف العلاقات العربية مع الصين، واعطائه الأولوية في دوائره المختلفة بما فيها الاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية.

 

آخر الأخبار

الأکثر مشاهدة