ويعيش أهالي القطاع ظروفا إنسانية مأساوية، تفاقمت حدتها خلال فصل الشتاء، في ظل تنصل إسرائيل من التزاماتها التي نص عليها اتفاق وقف إطلاق النار، والتي تشمل فتح المعابر، وإدخال الكميات المتفق عليها من المساعدات الإنسانية، والإغاثية، والطبية، ومواد الإيواء.
ومنذ كانون الأول/ ديسمبر الماضي، ضرب قطاع غزة عدة منخفضات جوية، ما أسفر عن شهداء ومصابين، وغرق عشرات الآلاف من الخيام الهشة، وتطايرها، التي باتت المأوى الوحيد للنازحين، بعد أن دمرت إسرائيل منازلهم على مدار عامين من الإبادة.
وكانت وزارة الصحة بغزة قد أعلنت، في 20 كانون الثاني/ يناير الجاري، ارتفاع حصيلة الشهداء بسبب البرد منذ بدء فصل الشتاء الحالي إلى 9 أطفال، وذلك عقب استشهاد طفلة بعمر 6 شهور.
وباستشهاد أبو حماد ترتفع هذه الحصيلة إلى 10، وسط تحذيرات سابقة لمسؤولين فلسطينيين من تسجيل المزيد من الوفيات بين الأطفال، في ظل الظروف المعيشية القاسية.
انتظار دام 17 عاما
احتضن والد الرضيع، عمر أبو حماد، النازح من بلدة بني سهيلا شرقي خانيونس جنوبي القطاع، إلى منطقة المواصي غربي المدينة، طفله وبكى بشدة.
وقال أبو حماد لوكالات الأنباء بثوت مكلوم، إنّ هذا الطفل كان منحة بعد "17 عاما من المعاناة والانتظار"، لافتا إلى أنّه كان "الوحيد على 6 (من شقيقاته) من البنات".
أسباب الوفاة
وقال أبو حماد إنّ الأطباء أبلغوه أنّه استُشهد جرّاء البرد القارس، وإصابته بالجفاف لتأثّره بالتلوث الناجم عن مياه الصرف الصحي.
وذكر أبو حماد أنّهم يقيمون قرب نقطة لتصريف مياه الصرف الصحي، في منطقة المواصي بخانيونس.
ولأكثر من مرة، حذر مسؤولون فلسطينيون من التداعيات الكارثية لتجمع مياه الصرف الصحي في الشوارع، وبين خيام النازحين.
وعلى مدار عامي الإبادة، أصيب مئات الآلاف من الفلسطينيين بأمراض معوية، وجلدية؛ جرّاء تسرب المياه الملوثة إلى الخيام، والمنازل المدمرة.
كما تترافق هذه الأوضاع البيئية مع أجواء باردة تضرب القطاع خلال فصل الشتاء، في ظل النقص الحاد في مستلزمات التدفئة الأولية من أغطية وملابس.
وفي حديثه عن الأوضاع المعيشية، قال أبو حماد إنّه لم يلق أي استجابة لمناشدات سابقة من جهات معنية في ما يتعلق بتوفير "الحليب والحفاظات"، لطفله خلال الأشهر الماضية.
ازرقاق الجسد
بدورها، قالت جدة الطفل، أم محمد، وهي تلقي نظرة الوداع على جثمانه، إنّها دائما كانت تحرص على الاطمئنان على أوضاع الرضيع يوسف، الذي جاءهم بعد 17 عاما من الانتظار.
وتابعت أنّها تلقت، مساء الخميس، اتصالا هاتفيا بنقل الطفل إلى المستشفى، بعدما تحول جسده إلى اللون الأزرق بفعل البرد.
واستكملت بصوت مختنق: "ذهبنا مسرعين إلى المستشفى، لنجده قد فارق الحياة".
وظهر الطفل، الذي لُفّ بالكفن في مستشفى ناصر الحكومي، بلون يميل إلى الأزرق جرّاء تأثره بالبرد القارس.
وأكدت الجدة حديث والد الطفل، بأنّ البرد الشديد، والتلوث بمياه المجاري كانا العاملين الأساسيين في استشهاد الرضيع، وفق ما أكده الأطباء.
كما لفتت إلى أنّ الطفل أصيب قبل ذلك بـ"إسهال شديد، تسبب بإصابته بالجفاف"، وفق قول الأطباء.
ووفق المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، فإنّ إسرائيل دمرت 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية بالقطاع، بما فيه أكثر من 700 ألف متر طولي من شبكات الصرف الصحي؛ ما تسبب بكارثة بيئية.
وسبق وأشارت البلديات العاملة في القطاع إلى صعوبات في العمل تواجه مضخات المياه، والصرف الصحي المتبقية بالقطاع، بسبب النقص الحاد في توفّر الوقود اللازم لتشغيلها، الأمر الذي يرفع من خطر تدهور الصحة العامة، وفق بيانات سابقة.
ووفق معطيات سابقة صدرت عن حركة حماس، فإنّ إسرائيل تنصلت من التزاماتها التي نصّ عليها اتفاق وفق النار، الساري منذ 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، لا سيّما في ما يتعلق بترميم شبكات المياه، والصرف الصحي، والاتصالات.
المزيد: كل ما يجري بغزة.. هدنة منتهكة، وتشييع شهداء إعلام، وحصار يفتك بالمدنيين
وأنهى الاتفاق حرب إبادة جماعية بدأتها إسرائيل في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، واستمرت لعامين، خلفت أكثر من 71 ألف شهيد، وما يزيد عن 171 ألف جريح فلسطينيين، معظمهم من الأطفال والنساء.
وخرقت إسرائيل الاتفاق أكثر من 1300 مرة، بالقصف وإطلاق النيران، ما أسفر عن استشهاد 477 فلسطينيا، وإصابة 1301 آخرين.