وقال البرش عبر حساباته الرسمية على منصات التواصل الاجتماعي٬ إن ما جرى "ليس خبرا عابرا"، بل “لحظة صادمة تختبر ما تبقى من ضمير هذا العالم"، متسائلا عن المشهد الذي يقف فيه الفلسطينيون أمام "صناديق مغلقة يبحثون داخلها عن ملامح أبنائهم"، في ظل غياب أدوات الفحص اللازمة والحد الأدنى من الإمكانات الطبية والجنائية التي تمكن الطواقم من التعرف على الجثامين وتوثيقها بما يليق بكرامة الإنسان.
وأضاف: "لسنا أمام أرقام تسجل في تقارير، بل أمام آباء وأمهات وأبناء وبنات، لكل منهم اسم وذاكرة وحلم وبيت ما زال ينتظر"، معتبرا أن تسليم الجثامين مجزأة "ليس مجرد انتهاك إجرائي، بل جريمة أخلاقية وإنسانية، وانتهاك صارخ لكل القوانين والمواثيق الدولية التي وضعت يوما لحماية كرامة الإنسان حيا وميتا".
وأشار البرش إلى أن مرات سابقة شهدت استعادة جثامين تحمل "آثار تشويه وتعذيب"، فيما جرى اليوم تسليم أجساد "مجزأة"، وكأن الهدف لم يكن إنهاء الحياة فقط، بل "محو الهوية، وكسر الذاكرة، وإذلال الأحياء قبل الأموات".
وشدد على أن وزارة الصحة لا تطالب بـ"المستحيل" ولا بـ"امتياز خاص”، بل بـ"حق بديهي": "أن يعاد الإنسان إنسانا، أن يحفظ جسده، أن تصان كرامته، وأن تحترم القوانين التي يدعي العالم الالتزام بها"، محذرا من أن “دوس هذه المبادئ لا يهين غزة وحدها، بل يهين الإنسانية جمعاء".
وأكدت الوزارة أن إجمالي حالات انتشال الجثامين منذ وقف إطلاق النار بلغ 717 حالة، فيما تواصل القوات الإسرائيلية شن غارات مكثفة على مناطق متفرقة من القطاع، خاصة خلال الـ48 ساعة الأخيرة، بدعوى الرد على إصابة أحد جنودها.
54 جثمانا و66 صندوقا لأعضاء بشرية تصل غزة
وكانت وزارة الصحة في غزة، قد أعلنت الأربعاء، وصول 54 جثمانا و66 صندوقا تضم أشلاء وأعضاء بشرية إلى مجمع الشفاء الطبي، بعد أن أفرج الاحتلال الإسرائيلي عنها ونقلتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وقالت الوزارة، في بيان، إن "54 جثمانا لشهداء، و66 صندوقا تضم أشلاء وأعضاء بشرية، وصلت إلى مجمع الشفاء الطبي، بعد إفراج الاحتلال الإسرائيلي عنهم، بواسطة منظمة الصليب الأحمر".

وأوضحت أن طواقمها الطبية باشرت فورا التعامل مع الجثامين وفق الإجراءات الطبية والبروتوكولات المعتمدة، وبالتعاون مع الجهات المختصة واللجان ذات العلاقة.
وأضافت أن العمل جار لاستكمال عمليات الفحص والتوثيق، تمهيدا لعرض الجثامين على المواطنين للتعرف عليها وفق الإجراءات المتبعة.
استشهاد 574 فلسطينيا منذ وقف إطلاق النار
أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، اليوم الخميس، ارتفاع حصيلة الضحايا الفلسطينيين جراء الهجمات الإسرائيلية إلى 574 شهيداً و1518 مصاباً منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وأوضحت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة في بيان رسمي أن 27 شهيداً و18 مصاباً وصلوا إلى المستشفيات خلال الـ24 ساعة الماضية فقط، مشيرة إلى أن عدداً من الضحايا لا يزالون تحت الأنقاض وفي الطرقات، حيث تعجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم بسبب استمرار القيود والمخاطر الأمنية.
وعلى الصعيد الإجمالي، أفادت الوزارة بأن الحصيلة التراكمية للعدوان الإسرائيلي منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 بلغت 71 ألفاً و851 شهيداً و171 ألفاً و626 مصاباً، وسط تحذيرات مستمرة من انهيار النظام الصحي بالكامل وعدم قدرة المرافق الطبية على استيعاب المزيد من الإصابات.

وخلال الساعات الماضية، استمرّ الاحتلال الإسرائيلي بتصعيده، إذ استهدف الطيران الحربي والمدفعية مناطق مدنية شمال وشرق قطاع غزّة. كما نفّذت زوارق الاحتلال الحربية اعتداءات عدّة على شاطئ بحر خان يونس جنوبي القطاع.
وفي السياق نفسه، نسف "جيش" الاحتلال مباني في مخيّم جباليا شماليّ قطاع غزّة، من بينها ما تبقى من مدارس "الأونروا".
تقديرات إسرائيلية: تدمير أنفاق غزة يتطلب عامين إضافيين
ضخ جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية حرب الإبادة على غزة، قبل نحو عامين ونصف العام، وحتى اليوم، أكثر من 250 ألف متر مكعّب، من تربة مخلوطة بالماء، في أكثر من 150 كيلومتراً من أنفاق القطاع، فيما يواصل عملياته الرامية للعثور على مزيد من الأنفاق وتدميرها.
ومنذ بداية حرب الإبادة كان واضحاً أن الأنفاق الاستراتيجية التابعة لحماس هي واحدة من نقاط الضعف الأكثر تعقيداً بالنسبة لجيش الاحتلال. وترى إسرائيل، بحسب تقرير الموقع العبري، أن الحركة استخدمت هذه الأنفاق لمجموعة واسعة من الأغراض، منها لتواري قادتها ما ساهم في إفلاتهم من محاولات الاغتيال الجوية لأشهر طويلة. وبفضل وجودهم داخل الأنفاق، تمكّنوا أيضاً من التواري عن أنظار القوات البرية المناورة على الأرض، فضلاً عن احتجاز أسرى إسرائيليين داخل الأنفاق.

واضطر جيش الاحتلال خلال الحرب، وفق ذات التقرير، إلى مواجهة تحدٍّ لم يسبق لجيش في العالم أن واجهه، وقد طوّر قدرات خاصة لاكتشاف الأنفاق التي تمتد على مئات الكيلومترات طولاً وعرضاً في القطاع وتدميرها. ويدير الجيش الإسرائيلي في السنة الأخيرة، أنشطة مراقبة واسعة في إطار الحرب على البنية تحت الأرضية، ويرى أنه حقق إنجازات عديدة بفضل القدرات الاستخباراتية.
وقال المسؤول العسكري: "نحن نملأ لهم الأنفاق بمادة هي خليط من التربة والمياه، وندفعها بكميات هائلة. لقد ضخخنا بالفعل أكثر من 250 ألف متر مكعّب من هذه المادة في أكثر من 150 كيلومتراً من الأنفاق". وأضاف "نحن نعلم أن هذا يلحق ضرراً بالعدو حتى لو لم يصل إلى التدمير الكامل لنفق ما".
ويعتقد مسؤولون عسكريون صهاينة أن تدمير أنفاق غزة قد تستغرق نحو عامين آخرين.
المولدات تنقذ غزة من الظلام بكلفة باهظة
لم تعد أزمة الكهرباء في قطاع غزة مجرد مشكلة خدمية عابرة، بل تحولت إلى واحدة من أكثر الأزمات الاقتصادية والإنسانية تعقيداً، في ظل الانقطاع الكامل للتيار الكهربائي منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما رافقه من تدمير واسع للبنية التحتية وشلل شبه تام في عمل شركة توزيع الكهرباء.
ومع غياب أي مصادر رسمية للطاقة، وجد الغزيون أنفسهم أمام خيار واحد فقط، وهو كهرباء المولدات التجارية، التي انتشرت بشكل واسع في الأحياء والمخيمات، لكنها جاءت بأسعار وُصفت بأنها "جنونية"، في وقت يعاني فيه السكان من انهيار مصادر الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة.

وبينما يفترض أن تكون المولدات حلاً مؤقتاً لسد فجوة احتياج السكان خلال الحرب، تحوّل هذا القطاع إلى عبء اقتصادي ثقيل على المواطنين، وسط مطالبات متزايدة بتدخل الجهات المختصة لتنظيم الأسعار وضبط آليات العمل ومنع استغلال حاجة الناس في واحدة من أقسى المراحل التي مر بها قطاع غزة.
خطط إسرائيل للدفع نحو انهيار الاتفاق وتكثيف القتال
لا يمكن تفسير المجازر اليومية في قطاع غزّة، والانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار، بعيداً عما يبدو أنه نيات مبيّتة لعودة إسرائيل للقتال المكثّف في إطار حرب الإبادة المستمرة، بحيث تتزايد المؤشرات حولها، من خلال ذرائع تتعلق بنزع سلاح قطاع غزة، والترويج أن قوة حركة حماس تتعاظم وأنها تعيد بناء نفسها، وأخرى تتعلق بحسابات إسرائيلية داخلية.
تمهد إسرائيل لهذا السيناريو، بعدة طرق، منها ما هو ظاهر للعيان، كالحديث المتكرر في تصريحات وتقارير عبرية، عن احتمال القيام بعمليات عسكرية لنزع السلاح، وقصف مواقع في قطاع غزة، والادّعاء أن عناصر في المقاومة الفلسطينية يفتحون النار باتجاه جنود جيش الاحتلال أحياناً، بل ترويج مقاطع فيديو، حول رصد مسلّحين في غزة. كذلك تشير تقارير عبرية في الأيام الأخيرة، إلى أن الجيش الإسرائيلي أعدّ خططه فعلاً لتكثيف العدوان، وذهب بعضها لتحديد مواعيد محتملة لذلك في مارس/ آذار أو إبريل/ نيسان.
ويوم أمس الأربعاء، تحدث وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس صراحة، عن احتمال استئناف القتال، في إشارة إلى تكثيفه، إذ إن إسرائيل لم تتوقف أصلاً عن القتل، وتعهد باستكمال نزع سلاح حماس، موضحاً أنّ إسرائيل مصمّمة على استكمال تفكيك حماس من سلاحها الآن، بعد أن أُعيد جميع الأسرى (وكان آخرهم في 26 يناير/ كانون الثاني 2026). وتتقاطع تصريحاته مع تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي لا يتوقف بدوره عن التهديد والوعيد. كذلك يطالب مسؤولون في إسرائيل بتجريد حماس من سلاحها خلال شهرين، أي حتى إبريل/ نيسان المقبل في أقصى حد، شرطاً لبدء عمليات الإعمار.

ووفق التفاصيل في صحيفة يديعوت أحرونوت، تتزايد المؤشرات على استئناف القتال في قطاع غزة، وربما خلال الأشهر القريبة المقبلة، بطريقة قد تؤدي إلى تجنيد واسع لقوات الاحتياط، فيما يواصل الجيش التحقيق في إصابة ضابط بإطلاق نار أمس الأربعاء شرقي مدينة غزة، ويزعم في تقديراته أن حماس ستواصل محاولاتها لاستهداف الجنود.
ويبدو أن الاحتلال لم يكتفِ بعدد المرات التي أجبر فيها سكان غزة على النزوح من مكان إلى آخر، خلال عامين من حرب الإبادة، إذ تشمل خططه الجديدة سيناريوهات لدفع الغزيين إلى النزوح من جديد، وهذه المرة ضمن مساحات أصغر. فقد أعدّ الجيش الإسرائيلي، وفق تقرير "يديعوت أحرونوت" اليوم، خطة جديدة "لإجلاء السكان" بهدف إتاحة تنفيذ عملية برية واسعة هذا العام، إن اختارت إسرائيل ذلك. وأضاف التقرير أن الحديث ليس عن نقل السكان إلى الجانب الخاضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي من الخط الأصفر، كما نصّت خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمستقبل غزة، بعد أن عاد السكان وانتشروا مجدداً في جميع مناطق القطاع الخاضعة لسيطرة حماس، بل يدور الحديث عن عمليات نقل للسكان داخل المنطقة الغزّية (أي الموجودة تحت السيطرة الفلسطينية) الواقعة ضمن الخط الأصفر، ما يعني نحو نصف مساحة قطاع غزة.