هذه الصراعات المتنوعة مؤثرة ومهمة أيضاً على مستوى العالم. مثل هذا التوصيف، ينطبق فقط على الولايات المتحدة الأميركية ذات التأثير الكبير والاستثنائي، على الأكثرية الساحقة من الدول والشعوب. وهو تأثير يشمل ميادين متنوعة، اقتصادية وسياسية وأمنية، ويحضر في كل التحولات والنزاعات (يخلقها أو يستغلها). كل ذلك في نطاق جهد متواصل من أجل إدامة وترسيخ وتوطيد نفوذ أميركي إمبراطوري عالمي هدفه النهب والسيطرة والإخضاع والاستئثار.
جديد هذه الحقبة، ارتباطاً بتراجع الصراع الأيديولوجي (بسقوط الثنائية القطبية التي كان الاتحاد السوفياتي أحد طرفيها)، وبتعاظم المنافسة الاقتصادية والجيوستراتيجية التي تتقدّمها الصين، هي قذارة الأساليب المستخدمة في هذا الصراع. هذا ينطبق خصوصاً (حتى الآن!) على الإدارة الأميركية الحالية التي يقودها ويختصرها، بدرجة تجاوزت كل ارتكابات الإدارات السابقة، الرئيس الحالي دونالد نرامب.
لم تتردد الإدارات الأميركية السابقة في اللجوء، مراراً، إلى الغزو والاحتلال (أفغانستان والعراق). أنشأت أيضاً وسائط إجرامية من نوع «داعش» وأطلقتها ومكنتها من احتلال مناطق واسعة في العراق وسوريا. واصلت سياساتها التقليدية في التآمر والتجسس واستخدام العملاء والجيوش لتنفيذ الانقلابات ولتغيير السياسات والأنظمة والحكام ممن انتُخب بعضهم بطريقة ديموقراطية. ومن قبيل تنويع الوسائل، وبعد أن فشلت عمليات الغزو والاحتلال بسبب مقاومة ضارية جعلت الاحتلال بالغ التكلفة واستمراره مستحيلاً، طوّرت واختبرت وسائط «ناعمة» أبرزها «الثورات الملونة».
رغم كل ذلك، لم تفلح القطبية المنفردة في منع تدهور مكانة الولايات المتحدة خصوصاً في مجالي الإنتاج والتسويق. برزت مواقع قوة صاعدة بدرجات نمو وتوسع غير مألوفة. شكَّلت الصين منافساً مقلقاً لدول الغرب ولواشنطن خصوصاً. دفع ذلك وسواه الاحتكارات الكبرى والمجمع الصناعي الحربي الأميركيين إلى توظيف قدرات أميركا العسكرية في خدمة اقتصادها. بدأ ذلك مع جورج بوش الأب في حرب الكويت عام 1990. تطوّر مع بوش الابن و«المحافظين الجدد» إلى مستوى اعتماده استراتيجية معلنة صدرت عن البيت الأبيض وأسست لغزو العراق واحتلاله عام 2003. دفع تفاقم الأزمة وفشل جزء مهم من الأساليب التي كانت تجمع ما بين الضغوط السياسية والعسكرية إلى التركيز على الأخيرة بشكل شبه حصري. هذا ما يحاوله الرئيس ترامب في ولايته الحالية.
توسَّعَ ترامب في عملية الفرض والإكراه والإخضاع إلى الحد الأقصى. صاغ نهجاً في ممارسة الجشع والبلطجة والعنصرية، بدأ بالداخل الأميركي، ولم يستثنِ حتى أقرب الأصدقاء والحلفاء: قارات (أوروبا وأميركا الجنوبية)، دول في أميركا الشمالية (كندا والمكسيك)، والوسطى (فنزويلا وكوبا وكولومبيا وبنما). شعوب من «الدول النامية» استهدفتها عنصريته من دون تمييز. في الشرق الأوسط خُوّات مباشرة نقدية واستثمارية بمئات مليارات الدولارات: مقابل الحماية والاعتراف بـشريعة مفروضة، هي الأخرى، بالقوة والقمع... إلى تقديم دعم مفتوح لحكومة الفاشيين في تل أبيب التي تمارس الإبادة والفصل العنصري ضد الشعب الفلسطيني... يتكامل ذلك مع مشاريع «التطبيع الإبراهيمي»، ما ساعد على الدمج بين «إسرائيل الكبرى» التوراتية و«إسرائيل العظمى» التي تفوق الأولى في المدى والاستهداف الاقتصادي، وتتميز ببعض المرونة لجهة الوسائل والأساليب في مجرى تصفية قضية وحقوق الشعب الفلسطيني.
العامل الصهيوني كان حاضراً دائماً، وبقوة استثنائية، في المؤسسات (الكونغرس خصوصاً) والمخططات والسياسات الأميركية حيال كل ما يتعلق بالشرق الأوسط. إلى «اللوبيات» الصهيونية، ذات النفوذ الهائل في صميم بنية كبريات الاحتكارات ومؤسسات المال والأعمال الأميركية، لعبت «الصهيونية المسيحية» دوراً هائلاً في توفير دعم شامل للمشروع (الغربي أساساً) الصهيوني في فلسطين. لم يتردّد نتنياهو في تحدّي الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما في الكونغرس نفسه سعياً إلى منعه من توقيع اتفاق نووي مع إيران عام 2015. في كنف صعود ترامب مرة جديدة وتوسعاً في حرب الإبادة واستهدافاتها في المنطقة عموماً، دخلت تل أبيب لاعباً مؤثراً في نطاق ورشة صهيونية متكاملة: من المؤسسات الشرعية، إلى مؤسسات الظل الأمنية التجسسية ذات الأساليب الأكثر إيغالاً في البشاعة والقذارة.
واحدة من تلك المؤسسات كان يديرها «الموساد» عبر الملياردير الصهيوني أبستين. «يصادف» أن ترامب كان حاضراً بقوة في تلك المؤسسة وسواها. وهو بات حاضراً بقوة أكبر في المؤسسات الرسمية الأميركية بعد أن اختزلها بشخصه الجامح، والوقح، والداعر المستخف بكل القيم بما فيها تلك التي أرساها النظام الرأسمالي الإمبريالي نفسه بقيادة قوته الأساسية: البورجوازية الأميركية الكبرى!
في الصراع الذي أشرنا إليه في البداية يحضر الحزب الديموقراطي الأميركي طرفاً في محاولة إضعاف الحزب الجمهوري وممثله الأساسي اليوم دونالد ترامب. يحضر أيضاً ودائماً الطرف الصهيوني بشكل مباشر، أو عبر الحزبين الجمهوري والديموقراطي على حد سواء. يحضر كذلك عبر مؤسسات السلطة بكل أنواعها: الشرعية وغير الشرعية. السياسية والاقتصادية والمالية والأمنية والإعلامية... اللعب على المكشوف على طريقة ترامب!
في هذا المشهد العالمي الذي يطغى عليه الحضور الأميركي، تدور معارك ضارية تتعدد باضطراد! في الولايات المتحدة نفسها، حيث يتصاعد الصراع في المجتمع الأميركي: سياسي تنافسي على السلطة بين الحزبين الديموقراطي والجمهوري، وطبقي/اجتماعي/وعرقي، رفضاً لسياسات وإجراءات ترامب، خصوصاً، ضد المهاجرين الجدد، والقدماء من حملة الجنسية الأميركية منذ عقود. منطقة الشرق الأوسط لا تزال في مقدمة الاهتمامات الأميركية.
ترامب هو «أكبر داعم» لإسرائيل، كما يصنّف نفسه وكما يصنّفه أيضاً صديقه القاتل نتنياهو! استهداف إيران، بعد حرب الإبادة المستمرة في غزة (بـ«بركة» دعم واشنطن و«خطة ترامب»)، وبعد الانقلاب في سوريا (برعاية واشنطن أيضاً)، هو حلقة مركزية: إمّا في إحكام السيطرة الصهيو/أميركية على المنطقة، أو في وضع لبنة سياسية أساسية في بناء عالم متوازن ومتعدد الأقطاب... المهمات كبيرة والصراع مصيري ومفتوح.
* بقلم: سعد الله مزرعاني - كاتب وسياسي لبناني