وجاء في رسالة وجهها آية الله اعرافي الى البابا ليو الرابع عشر، اليوم الثلاثاء: في زمنٍ بات فيه الصمتُ في وجه الظلم لغةً شائعةً بين الأقوياء والمتشدقين بحقوق الإنسان، وفي زمنٍ التزم فيه الكثير من قادة العالم الصمت أو انغمسوا في حساباتٍ سياسيةٍ تشابكت فيها ألسنتهم بالمصالح، أشرق صوتكم الواضح والشجاع في إدانة قصف الأبرياء ونزع الشرعية عن قتل العُزّل، ودعم العدالة والحرية، كضوءٍ في قلب هذا الليل حالك الظلام.
واضاف: نحن في الحوزات العلمية نُقدّر هذه المواقف الأخلاقية والإنسانية التي اتخذتموها، ونؤمن بما يلي:
أولًا: لقد بقيتم أوفياء للرسالة الحقيقية للمسيحية، لأن النبي عيسى المسيح (عليه السلام)، الذي نعتبره نحن المسلمين من الأنبياء اولي العزم ، ونؤمن به ونحبه، كان رسول سلام ورحمة ونصرة للمظلومين. وما تقولونه اليوم هو تجسيدٌ للرسالة نفسها التي حملها السيد المسيح. لقد أثبتم اليوم أن الفاتيكان يمكن أن يكون منبعًا للعدالة، لا محرابًا للصمت أمام الظلم، وتتوقع منكم المراكز العلمية والحوزوية والجامعية، وكل الموحدين والمظلومين في العالم، مواصلة هذه المواقف والدفاع عن المظلومين.
ثانيًا: لقد برهنتم على أن الضمير الديني حيّ.
في عصرٍ يسعى فيه الكثيرون إلى تهميش الدين من الحياة الأخلاقية للإنسانية، واعتباره شأنًا شخصيًا غير مؤثر، فإن موقفكم في الدفاع عن أرواح الأبرياء دليلٌ حيّ على أن الضمير الديني لا يزال أقوى صوت أخلاقي في العالم. إن تحذيركم للظالمين بالعقاب الإلهي يُذكّرنا بالسنّة المشتركة للانبياء الذين لم يسكتوا قط أمام الظالمين.
ثالثًا: نمدّ لكم يد الحوار بين الأديان دفاعًا عن الإنسانية والقيم الإلهية.
يدعونا القرآن الكريم إلى الكلمة المشتركة بين الأديان: «قُلْ یَا أَهْلَ الْکِتَابِ تَعَالَوْا إِلَی کَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَیْنَنَا وَبَیْنَکُمْ». واليوم، تتمثل هذه الكلمة المشتركة في الدفاع عن حرمة النفس البشرية، والوقوف في وجه الجريمة والظلم. ومن منطلق الحوزات العلمية، نعلن استعدادنا للتعاون بشكل أعمق مع الفاتيكان لتحويل هذا الإجماع الأخلاقي إلى حركة شاملة للدفاع عن المظلومين في العالم، وأُشير إلى المناقشات السابقة بين حوزة قم العلمية والفاتيكان، وأُعلن استعدادنا لمواصلة هذه المناقشات.
نؤمن أن الأنبياء، من إبراهيم وموسى وعيسى إلى محمد (صلوات الله عليهم اجمعين)، قد استقوا جميعًا من نفس مصدر النور، وكانت رسالتهم الدفاع عن كرامة الإنسان، ومحاربة الظلم، وهداية البشرية. وما نقوم به اليوم هو وفاءٌ بهذه الأمانة المشتركة، وسيُسجل في التاريخ.
نسأل الله القدير، الذي يدعوه اليهود والمسيحيون والمسلمون جميعاً، أن يدعم هذه الشجاعة الأخلاقية في المؤسسات الدينية، وأن يلهمها في المؤسسات الدولية وحكومات العالم، وأن يأتي اليوم الذي يسود فيه صوت العدل على ضجيج القنابل والشياطين.