تشير المراجع الفكرية في العلم السياسي إلى عدمية الانتفاع من الثروة بغياب النظام والدولة.. من هذه النقطة شرعت دول الاستكبار بصناعة النموذج الأول للاحتلال الأقل كلفة" بدأت بريطانيا بعد الحرب الثانية بالانحسار وكاد أن يكون ممكنا لدول المنطقة التحرر من التحكم بمواردها لكن الفراغ البريطاني سرعان ما ملئته السياسة الأميركية عبر خطط طويلة الأمد جعلت من دول المنطقة تتباطئ أكثر نحو بناء دول ذات مفاهيم سيادية متكاملة ربما ساهم النظام الشاهوي في عملية الفرملة هذه ولربما كان الأمر عاملاً مساعداً لتسويق الأفكار الطائفية لدى شعوب الحجاز واضيفت مفاهيم مشوهة إلى مفاهيم ابن تيمية اذكت النقمة المتأصلة بين تلك الشعوب تجاه الفكر الشيعي ولم تصف نظام الشاه أنه أميركي الهوى قبل الثورة الإسلامية بل وصفته شيعياً رغم اظهارها الولاء له والخضوع.. وحين استشعرت دول الاستكبار مخاطر الثورة الإسلامية ونجاحها في إيران عمدت إلى أسلوب اجترار الماضي حيث لم تفصل بين ممارسات الشاه الأميركي والممارسات المفترضة للجمهورية الإسلامية بعد الثورة" وراحت تسوق إيران الشاه لشعوبها وصور التبرج والملك الذي يلهو بالكلاب وما إلى ذلك كما أنها حرفت صورة الثورة وأنها امتداد للشاه لا اكثر لكن بغطاء ديني حسب مزاعمها التي تتأكد بمطالعاتنا للصحافة الخليجية في الثمانينات لذا نجد أن دول المنطقة الناشئة طيلة المدة الواقعة ما بين الخمسينات ومطلع التسعينيات تمأسس فيها مفهوم الاعتماد (المنتجات مستوردة؛ السلع مستوردة؛ العمالة مستوردة؛ المعلمين وشركات الخدمة مستوردة؛ شركات النفط حتى عاملات المنازل) لم يكن هذا الأمر وليد صدفة بل خطة محكمة لبناء سلطة لا نظام' ثروات بلا سلسلة تنموية تحكمها وبانتهاء حرب الثمان سنوات وإيقاع النظام العفلقي بفخ غزو الكويت" انتقل الى المرحلة الاخيرة من صناعة النموذج باعتماد الحماية" بدعة مهدت لاغفال الفتاوى السلفية السابقة إزاء حرمة تواجد الأجنبي في ارض المسلمين بوصفه (كافرا) وتبرير الأمر أنه مستثنى إذا كان في خدمة المسلمين" وهكذا غاب مفهوم الدولة عن بلدان منطقة الخليج (الفارسي) أما ما يدور ويتداول فمجرد عناوين كاذبه أو فارغة المحتوى موجودة في سجلات الأمم المتحدة أو المنظمات (دولة كذا ودولة كذا) فبلدان العالم المتقدمة لا تنظر لهذه البلدان سوى خطوط على الخرائط لأماكن تسيطر عليها اميركا بواسطة سلطة محلية ومندوبين أميركيين كما أن الدول المذكورة تمارس نفاقا بروتوكوليا مع بلدان المنطقة طمعا بثرواتها ومكاسبها الاستثمارية (الاستعمارية) فهي لا تعترف بكونها دول ولا تدرس اي من حالتها الحديثة أو تاريخها فلم نسمع أن فرنسا كتبت عن الكويت أو السعودية أو الامارات سطرا واحدا في مناهجها التعلمية ولا تحتفظ في مكتباتها العامرة بكل الاسفار كتيباً عن قطر أو البحرين" وهنا نقصد عن الطابع السياسي لا الوجود الإنساني او الثقافي" فالدول المتقدمة مهما تملقت هذه البلدان دبلوماسيا نجدها تخفي احتقارا صامتا تجاه انظمتها وإن حاول اي منها التمرد فتجدها تحل ذلك خارج حدود هذه الدول باتصال مع عضو في الكونغرس او ضابط سابق في الجيش الأميركي حتى.. لذا ضياع البوصلة بدأ من لحظة الاعتماد على الغير باشياء لها ضروراتها ابتداءً لكن الكارثة باستدامتها وتصاعد الاعتماد.. فلا يتوقع أحدنا صنع دولة بلا نظام فالدولة تقاس بالنظام والقانون ومؤسسات المسائلة الشعبية من برلمان وصحافة حرة ورقابة وقوانين ضبط اخلاقي' أما الثروات لا تصنع الأنظمة بقدر صناعتها السلطة وفي نماذجها المتخلفة سياسيا كالملكية والاميرية وما إلى ذلك.. الدولة التي تعتمد على جيش غيرها في حمايتها من العبث أن يتوقع أحد أنها دولة محترمة وكذلك الدولة التي تعتمد جيوشها على أسلحة تصنعها دول أخرى وغذاء مستورد وجميع مناحي الحياة واحتياجاتها يعتمد فيها على الغير لن تكون دولة' كما من العبث تسمية قيادتها السياسية بأنها نظام فهي سلطة لا أكثر' جميع ما تقدم لم يكشف عريه طيلة ٧٠ عام وكشفته لحظة فارقة هي الحرب الحالية" فإن كان من شكر لهذا التنبيه فحري أن تشكر شعوب هذه البلدان دماء شهداء محور المقاومة التي نأمل انها اوقضتها من نوم طويل.