لا شك أن لبنان يعيش اليوم تناقضًا صارخًا بين الخطاب السياسي والقدرة الفعلية على التنفيذ. ففي الوقت الذي ترفع فيه بعض القوى شعار "السيادة الوطنية"، يكشف الواقع عجز الدولة عن وقف الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية اليومية، فيما يبقى عنصر الردع، وفق هذا المنظور، العامل الوحيد الذي يفرض معادلة مواجهة في ظل غياب حلول جوهرية تمتلكها السلطة الرسمية.
ومنذ تشكيل الحكومة، بدا واضحًا أن الشعارات المرفوعة حول بسط السيادة لم تترجم إلى خطوات عملية أو إنجازات ملموسة.
فالحكومة، وإن كانت تمتلك السلطة التنفيذية من الناحية الدستورية، تبدو مقيدة بتوازنات سياسية داخلية وحسابات إقليمية، إضافة إلى الضغوط الأميركية، ما جعل هامش حركتها محدودًا إلى درجة دفعتها، في نظر منتقديها، نحو تقديم تنازلات متتالية بدل فرض وقائع سياسية جديدة.
وفي هذا السياق، انصبّ الجزء الأكبر من الأداء الحكومي على ملاحقة ملف سلاح حزب الله تحت عنوان "نزع السلاح"، من دون أن يقترن ذلك باستراتيجية وطنية متكاملة لتعزيز منظومة الدفاع أو معالجة مكامن الضعف التي تسمح باستمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان. وكأن النقاش انحصر في عنوان واحد، فيما غابت الرؤية الشاملة لكيفية حماية السيادة وصون الأمن الوطني.
كما أن التعاطي مع ملف السلاح يتجاهل، وفق هذا الطرح، حقيقة أن سلاح حزب الله يشكل عنصرًا حاضرًا في معادلة المواجهة القائمة، وأن أي مقاربة تستهدف سحبه من دون توفير ضمانات أمنية وسياسية حقيقية ستصطدم برفض داخلي وتعقيدات إقليمية، لتتحول الخطوات الحكومية إلى إجراءات رمزية ذات طابع سياسي أكثر منها إجراءات قابلة للتنفيذ.
أما على مستوى الأداء العام، فلم تتجاوز الحكومة حدود إدارة الملفات اليومية. فالاعتداءات الإسرائيلية تُواجَه بالبيانات الدبلوماسية والاتصالات الدولية التقليدية، فيما تُدار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بوتيرة بطيئة، ومن دون برنامج إصلاحي واضح يعيد الثقة بالدولة ومؤسساتها.
إن لبنان يقف اليوم أمام ازدواجية واضحة بين الخطاب السياسي وضرورات الواقع. فالمقاربات القائمة، في ظل غياب الإنجازات، لن تؤدي إلى تغيير حقيقي ما لم تُبنَ على تفاهمات وطنية جدية تأخذ في الاعتبار موازين القوى الداخلية والمتغيرات الإقليمية، وتنظر إلى عناصر القوة المتوافرة باعتبارها جزءًا من معادلة حماية البلاد، لا مجرد ملف خلافي.
فالسياسة الرشيدة لا تقوم على رفع الشعارات ولا على الاستسلام للأمر الواقع، بل على إدارة التوازنات المعقدة بين الدولة والمقاومة والإقليم، بما يحفظ سيادة لبنان ويصون مصالحه الوطنية بعيدًا عن الارتهان لأي إرادة خارجية.