نارام سرجون :

أسئلة الى قلب ليث شبيلات .. (لو) التي تلوي ذراع التاريخ

الثلاثاء 8 أغسطس 2017 - 04:13 بتوقيت غرينتش
.

كيف كانت الحياة ستتحول اذا ماانعطفت لحظاتها وتلوّى ثعبان الزمن حول مفاصلها وشخصياتها؟؟ ..لذلك ستبقى قصص كثيرة وحكايات التاريخ لاتمل أن تلعب بنا لعبة المراوغة والتضليل والشد والجذب والحيرة والغموض لأننا لانعرف كيف كانت ستتغير اذا تغيرت فيها لحظة حاسمة .. وبعضها يتسلى بخيالاتنا وحيرتنا ولايكشف عن الأسرار ويبقي فضولنا بلا جواب ولاتفسير ..

العالم - مقالات

ستبقى كثير من الحكايات لعبة بيد كلمة (لو) التي تملك القدرة على ان تشكك باليقين وأن تزرع اليقين في قلب الشك .. ويزيد الأمر حيرة مايضيفه الانسان على الأحداث والتاريخ من عبقرية في التمويه واثارة الريبة والشك واليقين .. فاذا مادخلت كلمة “لو” الى أي حدث مضى فانها كفيلة باطلاق جدال الاحتمالات والحتميات الذي لاينتهي .. لان شيئا واحدا في أي قصة اذا تغير أو غاب أو تأخر فانه سيتسبب في ميلاد قصة أخرى تماما .. كأن يتساءل أحدنا ان كان قرار النبي الكريم في العفو عن البيت الأموي في مكة وتكريم خصمه أبي سفيان حنكة نبوية وديبلوماسية الهية مع البشر أوحى بها الله لنبيه أم أن ذلك القرار كان أول خطوة في الطريق نحو كربلاء والفتنة الكبرى على اعتبار أن من قاد التمرد على البيت الهاشمي في مرحلة لاحقة كان البيت الأموي الذي هزم في مكة وخسر السلطة ولكنه انتصر في كربلاء وعاد الى السلطة .. فهل يجوز القول بأن مطلب عمر بن الخطاب في ضرب عنق أبي سفيان يوم فتح مكة كما تروي كتب السيرة كان سيجنب الاسلام الفتنة الكبرى وكان اقتراحا حصيفا وحكيما من عمر .. وربما (لو) وافق النبي على اقتراح عمر لمنع جملة حروب مؤلمة في صفين والجمل وكربلاء مرورا بكل المذابح حتى نهاية الحرب السورية ولكنه كان بلا شك سيغيّب من التاريخ الدولة الأموية .. لأنه كان سينهي البيت الأموي وطموحه السياسي الذي كمن في موقع المعارضة الصامتة الى أن تمكن من العودة الى السلطة التي انتهت بكربلاء ومن يومها والاسلام مشقوق الى شقين متناحرين .. الاسلام الهاشمي والاسلام الأموي .. فهل يجب أن نطرح هذه الـ (لو) على التاريخ وأحداثه دوما؟ وهل نقدر فعلا ان نكون على يقين من اي فرضية؟؟ وهل يجوز أن نتدخل في صيرورات التاريخ ونزرع قلب الشك باليقين؟

ان كل لحظة تقرر مصير ومآل اللحظة التي تليها .. واذا تعثر مسير لحظة واحدة في اندفاعتها تغير كل مابعدها .. وقد تكون بين الموت والحياة لحظة واحدة .. اذا تأخرت دخلت رحلة الموت واذا وصلت في موعدك دخلت رحلة البقاء ..

وفي الحرب على سورية دخلت الرواية في تفاصيلها الكثيرة في متاهات (لو) وهي التي تنحو منحى المراوغة والتضليل والغموض .. وللأسف فان هذه الـ (لو) تحشر نفسها في اهم بدايات الأحداث وتلتصق بأي حديث وتفسير .. فكم تكرر على مسامعنا قول (لو كانت القيادة السياسية السورية استبقت الأحداث بالاصلاحات لما حدث ماحدث !! .. ولو أن الرئيس الأسد ابتعد عن ايران لما تعرضت البلاد لهذه العقوبة من الغرب !! .. ولو لم يسمح الأسد لأردوغان بالمرور من دمشق لما دخل حلب !! .. ولو أن الأسد ذهب الى درعا لتطييب خاطر أهلها لتوقفت الأحداث !!.. وغير ذلك من عواءات (لو) التي تعوي على كل الزوايا وتنبح في أحاديث السفسطة والتنظير .. وآخر هذه الأحاديث هو ماسمعته من المعارض الأردني ليث شبيلات في لقاء على الميادين مؤخرا ..

ماقاله شبيلات على الميادين لايختلف كثيرا عما قاله عام 2011 على فضائيات أخرى وأنا لاأعيب على شبيلات اي رأي أو فكرة سواء وافق القيادة السورية أم عارضها وانتقدها بل انني أحب فيه ذلك النزق البدوي في خطابه العصبي عندما يجادل وينفعل .. كما أن موقفه من الأزمة السورية كان ذا مزاج اسلامي وكان هذا كافيا للاستنتاج أنه مع التمرد رغم انتقاداته لبعض وجوهه .. ولكن لاأستطيع ان أتخيل أن أحدا على ها الكوكب لايزال متمسكا بقراءاته الأولى للأحداث السورية رغم كل ماظهر من تنسيق دولي كبير بشأنها .. ويمكن لأحدنا أن يقول بأن مارأيناه خلال هذه السنوات يقتضي منا أن نعيد النظر فيما قلناه واعتقدناه يقينا .. فأنا المؤيد للأسلاميين في كل حياتي قررت الابتعاد عنهم الى آخر يوم في حياتي بعد ان خذلوني وأظهروا نفاقا وانتهازية وتملقا للغرب ولم يبالوا بحياة الناس ولم يكترثوا بوطن واقتصاد وطن .. وكذبوا ونسفوا وفجروا وصادروا الأملاك والحريات ومارسوا كل مامارسته الديكتاتوريات التي انتقدوها طوال قرن .. فلو جمعنا كل استبداد الأنظمة العربية وفسادها طوال القرن الماضي في كومة ومافعله الاسلاميون ابان الربيع العربي في كومة أخرى لرجحت كفة الاسلاميين الذين ذبحوا وأحرقوا واغتصبوا وخانوا وخدموا الناتو واسرائيل بل وعملوا يدا بيد مع الملوك الفاسدين المفسدين الذين كانوا يقولون انهم يفسدون الاسلام .. أما صاحبنا ليث فانه بعد كل مارآه فانه لايزال غير قادر على التزحزح نحو المراجعات الفكرية والنقدية لآرائه وتحليلاته .. وهنا لاأختلف حول بعض ماقاله كوجهة نظر في السياسة والحكم والعمل الديمقراطي ولكني استهجنت منه جدا أنه لايزال يدغدغ نفسه – كغيره – بفكرة بدائية تقول بأن الأسد لو انه زار درعا وطيب خاطر أهلها لسيطر على المؤامرة لأنهم عرب أقحاح وهؤلاء معروفون أنهم سيقبلون بالمبادرات الكريمة .. و يقارن ليث ذلك بما فعله الملك حسين في أحداث الثمانيات في الأردن عندما تمرد الناس على حكومة عبد الكريم الكباريتي .. فنزل الملك بنفسه الى معان وتواصل مع الناس فهدؤوا .. فورا !!!

وهنا لاأظن أن من المفيد أن نعيد الجدال القديم المراوغ والمضلل الذي يلجأ اليه بعض الناس من أن تلكؤ الرئيس في زيارة درعا قد أوصلت الأمر الى ماهو عليه لأنه صار جدلا بيزنطيا .. ولأن الحقيقة هي أن قصة أظافر أطفال درعا كانت كذبة كبيرة لم تثبت روايتها على الاطلاق ولايوجد دليل عليها حتى هذه اللحظة ولاتوجد صورة واحدة لتلك الأظافر المقتلعة وبغاب الدليل القاطع لن نقدر على اعتبارها الا قصة خرافية .. كما أن الرئيس كما نذكر دعا الى مكتبه كل وجهاء درعا وكل من له علاقة بأية صدامات واحتجاجات واستقبل مئات منهم في قصره وجلس اليهم عشرات الساعات واستجاب لكل مطالبهم التي جاؤوا بها .. وكان الرئيس يشكو من أنها في جزء كبير منها مطالب خدمية ضيقة وليست سياسية تعكس ازمة حادة وبعضها مطالب فردية وشخصية .. ولكن الفاجعة هي أن كثيرين ممن كانوا يلتقون به في الصباح ويدلون بأحاديث شاكرة لكرم الرئيس كانوا يعودون في المساء ويشاهدون في ساحات درعا يحشدون الناس ويجيشون الشباب بل ويقومون بخطابات نارية على الميكروفونات لاتخلو من شتائم وبذاءات قذرة وسوقية مشينة ونابية بحق الرئيس الذي كانوا في ضيافته صباحا .. في ظاهرة مخجلة على النفاق ونقض العهد مع من شكروه دون ضغوط منذ ساعات .. وكل شيء موثق على اليوتيوب كما نعرف .. فهل هذا الجو كان مهيأ لاستقبال الرئيس ومبادرته مثلا اذا زار درعا؟؟ ثم هل يستطيع احدنا أن يتخيل حجم استثمار الزيارة – ان حدثت – من قبل محطة درعا في تلك الفترة (الجزيرة) التي كانت تبث بشكل مباشر من درعا 24 ساعة مع تمثيليات شهود العيان وتروج لحجم القتل الذي يمارسه (الرئيس) .. مما لاشك فيه أن المحطة التي كانت توجه الناس كانت ستحول الزيارة الى عملية صدام مع وفد الرئيس والمحتجين الغاضبين الذين كانت تجهزهم وترسلهم في أشكال شهود عيان ومتظاهرين لايريدون الا اعدام المحافظ ومسؤول الأمن دون محاكمة في ساحات المدينة .. بل لاشك ان هذه الزيارة كانت ستستثمر في الجزيرة لتجييش مشاعر الشباب الهائج الذي رأيناه تحت روح “الفزعة” وتصويرهم على أنهم بدؤوا يكسرون هيبة الرئيس الذي جاء يستجديهم ويتوسل اليهم .. وهؤلاء لن يوقفهم شعور الرضا بوصول الرئيس ولن يتغير فيهم شيء لأنهم صاروا مشحونين أكثر بأحلام النصر .. وكلنا نذكر أن خطابات زين العابدبن بن علي وعبارة (الآن فهمتكم) التي تتودد للتونسيين وعبارة حسني مبارك الكسيرة (حمى الله مصر وأهلها) كيف كانتا تبثان بشكل متواصل مئات المرات يوميا على الجزيرة مع عبارة (هرمنا) الشهيرة لزيادة النشوة والتحريض الغريزي للجمهور وهو يرى رأس الدولة صاغرا وقلقا .. فيزيد من تمرده ورفضه لأي تسوية .

.
ثم ان مقارنة ماحدث في سورية بما حدث في الأردن في الثمانينات – عندما تدخل الملك حسين شخصيا وزار المدينة المتمردة – مقارنة ليست ظالمة بل وتعكس قلة عمق في الرؤية .. لأن تمرد الأردن لم تقم برعايته اية جهة دولية او اقليمية ولم توجد جزيرة ولاجهاز مخابرات واحد يزيد من اشتعاله .. وهل كانت اسرائيل وبريطانيا واميريكا الراعية والحاضنة للنظام الاردني ستسمح بنجاح التمرد وستطلب مجلس الامن للانعقاد وتشكيل اصدقاء الشعب الاردني مثلا؟؟ وكانت زيارة الملك قد تقررت في الحقيقة بعد أن تكفل العسكر والأمن بتليين التمرد والتواصل مع الفعاليات ووجاهات المدبنة التي تم تحضيرها بالتهديد بالتصعيد كي تتم زيارة الملك الذي وصل وهو يعلم ن روح التمرد انتهت .. وأذكر أنه جلس يدخن بهدوء وكانت لهجته متحدية غاضبة وهدد الاردنيين بأنه لن يستجيب لمطالبهم قبل أن يعود الهدوء كاملا بشكل مطلق وهو تهديد واضح يشترط الملك ان يرضخ الناس للدولة قبل أن يقبل في النظر بمطالب الناس ..ولكن في الحال السورية فان الأسد استجاب لكل مطالب الناس الذين أرسلوا اليه الوفود ووعد بعض من طالب بانهاء قانون الطوارئ ان يسير في ذلك الطلب ويعالجه بسرعة وفوق ذلك اعتبر ان كل من قتل في الأحداث في درعا شهيد وتعامل اسرته معاملة شهيد .. ولم يشترط انهاء المظاهرات بل تنظيم المعارضة لتفاوض الحكومة حول الاصلاحات الجذرية المطلوبة .. وكانت النتيجة أن التحريض زاد واللاعقلنية سيطرت على كل شيء في درعا ..

مقارنات ليث للأسف بليدة جدا واسحضاره للملك حسين كحصيف في الازمات مستفز جدا .. والا فلماذا لم يتذكر أن الملك لم ينزل بنفسه الى المخيمات الفلسطينية في أيلول الأسود ولم يحاول الملك حسين فعل الشيء ذاته مع الفدائيين بل اقتحم المخيمات الفلسطينية بالدبابات وارتكب مجازر مروعة بحق الفلسطينيين ..؟؟ أين كانت الحكمة الملكية يومها؟؟ ولماذا لايوصف ذلك التصرف الدموي الأرعن للملك على أنه سوء تقدير قرار تسبب بمجرزة وحرب اهلية لايزال الاردن يعيش آثارها النفسية حتى اليوم بل وفي ملاعب كرة القدم بين الفيصلي والوحدات وشعار (واحد اثنين طلقها يابوحسين) الذي يراد فيه استفزاز الفلسطينيين الاردنيين ؟؟ هل كان على الملك ان يقوم بزيارة للمخيمات الفلسطينية المتمردة كما يقال أم كان عليه أن ينزل بالدبابات؟ هذا مايجب ان يجيب عليه ليث شبيلات؟ هل يمكننا ا نقول بأن الفدائيين الفلسطينيين عرب أصيلون لو رأوا الملك حسين ينزل من سيارته بينهم كانوا سيلقون عليه التحية؟؟ وهل سيستقبلونه بالورود أم بقنبلة؟؟ هل لو غامر الملك حسين بذلك كنا لن نشهد أيلول الأسود؟؟ اذا كان مافعله الملك صوابا لأن لاشيء كان سيغير مزاج التصادم .. فلماذا لايكون احجام الأسد عن زيارة درعا صوابا وقرارا حكيما لأنه لم يكن ليغير شيئا من مزاج أشبع بالحنق والكراهية وأحلام ثورية لايمكن السيطرة عليها؟؟
لاأدري ان كان ليث شبيلات ساذجا ويعتقد فعلا أن شيئا كان سيوقف الحرب .. خاصة أن ماحدث في تونس ومصر وليبيا واليمن من تغييرات سريعة كان وقودا معنويا هائلا لمن كانوا يريدون اسقاط الدولة بذات الطريقة بدليل تشنجهم واعتبارهم أي وساطة مؤامرة على الثورة .. وهنا أزعم – ولاأملك اليقين في ذلك – أنه لولا ماحدث في هذه البلدان (بلدان الربيع العربي) فان زيارة الأسد الى درعا ربما كانت مبررة وموفقة لأن التحريض كان سيبقى بلا وقود النشوة والانفعال والأحلام التي كانت تنظر باعجاب الى ماحدث في المحيط العربي وتصر على استنساخه ..

وأما أكثر ماأدهشني في ليث فهو تمجيده للملك حسين رغم انه تولى عملية نقد لاذع للملك عبدالله الثاني بسبب ماقال تهاونه في قضية حارس السفارة الاسرائيلية الذي أطلق سراحه واستقبل كالأبطال في اسرائيل .. والمدهش أن ليث يريد من الملك الحالي ان يتحمل مسؤولياته في حماية كرامة الاردن وتحمل مسؤولياته كملك هاشمي لابعاد الاهانة عن مملكته وشعبه وفي حماية الأقصى ويتحسر على كاريزمائية وشجاعة الحسين .. وتمنى أن يكون الابن بسوية ابيه .. ثم اشار الى قلبه بأنه لايقدر الا أن يحب الحسين بن طلال !!

عندما سمعت ذلك من ليث وجدت أنني كنت أضيع وقتي بالاستماع الى تهافتات لانهاية لها في هذا اللقاء وأنني استمتعت بوقت ضائع .. لأنني لاأدري ماهو رأي السيد ليث شبيلات في دور الملك حسين – الذي يحبه قلبه – في تسليم الضفة الغربية والقدس في حرب 67 كما تثبت كل الشهادات والوثائق .. ولاادري ماهو رأيه في كرامة الشعب الاردني التي حفظها له الملك حسين عندما يتذكر أن ملكه كان موظفا برتبة جاسوس شهير (مستر بيف) وفق كل الوثائق التي لايستطيع انكارها .. ويتقاضى راتبا من وكالة المخابرات الاميريكة حتى أوقف كارتر هذه المهزلة .. وكان كارتر حريصا على كرامة الأردن والشعب الاردني أكثر من الملك ومن ليث شبيلات لأنه اعتبر أن وظيفة ملك كجاسوس لاتليق بالملك ولاتليق بالاردن ولاتليق بأميريكا .. فأوقف تلك المهمة المهينة ..
بل لاأجرؤ حتى على أن أسأل ليث – كيلا أحرجه – عن رأيه في ملكه حسين – الذي يحبه قلبه – وقد طار سرا في الليل الى اسرائيل ليلتقي غولدامائير ويحذرها من هجوم سوري مصري وشيك قبل حرب تشرين (أكتوبر) !! وكان الملك شخصيا اعترف بذلك وامتدحته كل مذكرات القادة الاسرائيليين .. وفوق هذا فان اسرائيل أطلقت اسم الملك حسين – الذي يحبه قلب شبيلات – على شارع في تل ابيب وأصدرت طابعا شهيرا تكريما لذكرى جاسوسها الملك حسين .. ولاأدري ان مر ليث في ذلك الشارع أو ان وصلته رسالة عليها طابع الملك حسين الاسرائيلي كيف سيخفق قلبه لهذا التكريم للاردنيين الذين لن يحسوا بالاهانة من صديق اسرائيل المخلص ..

ربما كنت أحترم في ليث احترامه لموقف الملك الشخصي منه لأن الملك أكرمه شخصيا وأخرجه من السجن بنفسه بعد أن توعده بأنه لن يفرج عنه .. وهذا الموقف الوفي لليث شبيلات يجب أن أحترمه وأغبطه عليه لأنه وفاء لموقف على الأقل وهو يحمله دينا في عنقه ولم يتصرف مثل السافل خالد مشعل الذي فرشنا له بيوتنا وتقاسمنا معه اللقمة وغرفة البيت والمطبخ والحمام ثم ماان طعننا الغزاة حتى وجدنا خنجره بين الطاعنين لنا .. وتذوقنا نصله في ظهرنا .. ولكن مع هذا ربما كان من الحصافة على شخصية سياسية مرموقة مثل ليث شبيلات أن يكتفي بالاعتراف بذلك الموقف الجميل الذكي للملك دون أن ينكر خلافه وخصومته مع سياسة الملك وعدم تبريره لخياناته المخجلة وتغطيتها بالاحجام عن ذكرها وكأنها صارت نسيا منسيا .. بل ان الرغبة في غسيل وجه واسم الملك حسين من أجل ذلك الموقف الشخصي فيه انانية واراه بيعا للموقف .. ومقايضة غير مقبولة .. واذا كان كل شخص مبدئي وعقائدي سيغير موقفه من عقائده بسبب مجاملة سياسية فان على الدنيا السلام .. وربما وفق ذلك كان على ريتشارد قلب الأسد أن يوقف الحرب مع صلاح الدين لأن الأخير أرسل له جوادا اصيلا بدلا عن جواد ريتشارد الذي سقط عنه في احدى المعارك .. بل وكان يرسل له أطباءه وأرسل له مرة الثلج من الجبال عندما مرض واصابته الحمى .. لكن الحرب استمرت وبقي الخصمان يتحاربان بفروسية ولم يتخل أحد منهما عن مبدئه وعقيدته .. أنني ارى ان مافعله الملك حسين هو في الحقيقة تدمير لحرية ليث لأن ليث كان حرا في السجن فجاء اليه الملك وصادر له حريته بأن أطلقه جسدا .. ولكنه سحب منه روحه .. وحوله الى معارض ميت ..

بصراحة لاأستطيع الا أن أقول أنني مللت من بطولات المعارضين العرب الذين صارووا جميعا يقدمون النصائح للسوريين وقياداتهم ولايملون من لعب دور الناصح والأستاذ والعراف .. وهؤلاء المعارضون يحتاجون من ينصحهم ان يتعلموا فن المعارضة المبدئية والفروسية وفن التوازن في الشعارات .. وان كان ليث قد أثخن في الملك عبدالله الثاني وأثلج لي صدري فان تبرئته وتمجيده للملك حسين جعلت جهده فارغا بلا معنى .. وفاقدا حتى للتوازن .. لأن لاأحد على هذه الارض يعلم أيهما الأسوأ من الآخر .. الأبن أم أبوه .. الملك ام ابنه .. حسين أم أبو حسين .. عائلة جواسيس بريطانيين يقضون اجازاتهم في الأردن .. كما قال عنهم الراحل حافظ الأسد .. فكيف نمتدح جاسوسا ونهجو جاسوسا .. ياليث ..؟؟ هلا سألت لنا قلبك !!!

نارام سرجون - شام تايمز

المقالة تعبر عن رأي الكاتب، وهيئة التحرير غير مسؤولة عن فحواها