كردستان.. من الخيارات السيئة الى الاسوأ

كردستان.. من الخيارات السيئة الى الاسوأ
الأحد ٢٤ ديسمبر ٢٠١٧ - ١١:٠٨ بتوقيت غرينتش

تؤشر التظاهرات الاحتجاجية التي اندلعت منتصف الاسبوع الماضي في مدن ومناطق مختلفة من كردستان، بما لا يقبل الشك، ان الامور هناك تسير نحو منعطفات خطيرة، وغياهب مظلمة، وابواب موصدة.

العالم - مقالات وتحليلات

ولا غرابة في ذلك، اذ ان التداعيات الحاصلة، لايمكن ان توضع وتصنف في خانة الاحداث والوقائع الدراماتيكية غير المتوقعة، بل انها في الواقع جاءت اثر تراكمات سياسية واقتصادية امتدت نحو ثلاثة اعوام، ناهيك عن الخلفيات التأريخية لها.

بعيدا عن الاحاديث الافتراضية عن وجود اجندات سياسية، ومؤامرات خارجية، وراء تظاهرات كردستان، الذي من الخطأ الركون اليه في تحليل الوقائع والاحداث من اجل التوصل الى استنتاجات ومعطيات واقعية، فان الدافعين الرئيسين من التظاهرات هما، الاول، المطالبة بالرواتب المتأخرة لاعداد هائلة من الموظفين والمتقاعدين من مواطني المنطقة ، والثاني يتمثل في الدعوة الى تنحي حكومة كردستان الحالية، وتشكيل حكومة انتقالية، او ما يسمى بحكومة انقاذ وطني، تهيئ لانتخابات برلمانية ورئاسية في المنطقة تحت اشراف ورعاية الحكومة الاتحادية وجهات دولية محايدة، كمنظمة الامم المتحدة.

ولعل الشعارات المطروحة من قبل المتظاهرين، كانت تركز على هذين المطلبين.

ولاشك ان عددا لايستهان به من مواطني كردستان يعتقدون ان السبب وراء تأخر صرف رواتبهم، هو عدم قيام الحكومة الاتحادية بدفع مستحقات كردستان من الموازنة المالية، وهذا التصور في جانب منه صحيح، بيد انه لايمثل السبب الوحيد، فضلا عن كونه يرتبط بأسباب ومقدمات، من غير الممكن تجاهلها والقفز عنها.

فبغداد، امتنعت عن دفع مستحقات كردستان، بعدما راحت حكومة اربيل المحلية، تتعاقد مع الشركات الاجنبية للتنقيب عن النفط وانتاجه وتصديره بعيدا عن الحكومة الاتحادية، ولم تكتف حكومة كردستان بوضع اليد على الحقول النفطية ضمن الحدود الادارية للمنطقة ، بل استغلت ظروف الحرب ضد تنظيم "داعش" الارهابي وتمددت الى ما يسمى المناطق المتنازع عليها..

ورغم العوائد المالية الجيدة التي جنتها اربيل من انتاج وتصدير النفط بطرق غير قانونية، الا ان ذلك لم ينعكس ايجابيا على الواقع الحياتي للمواطنين، ناهيك عن ان قوى ونخب وشخصيات سياسية مختلفة في كردستان، كانت تؤكد مرارا وتكرارا الافتقار الى الشفافية في توزيع الموارد المالية للنفط المصدر، واستئثار طرف سياسي معين بتلك الموارد لاغراض ومصالح حزبية وشخصية وعائلية ضيقة.

ومن يتابع ويراقب ما تطرحه وسائل الاعلام الكردية، وما تتحدث به بعض النخب السياسية والفكرية والثقافية هناك، عن الفساد الاداري والمالي، والتفاوت الطبقي الكبير بين القلة القليلة التي تمتلك مقاليد الحكم والسلطة والنفوذ والامتيازات، والاغلبية الشعبية التي وصلت الى مستوى مرعب من العوز والحرمان. من يتابع ويراقب ذلك بدقة، لابد ان يخرج بنتيجة مفادها ان اصل واساس المشكلة الكردية ليس مع بغداد، بل مع من يحكم في اربيل، وربما في السليمانية ايضا.

التشبث بالسلطة، واستغلال الوجود الداعشي للتمدد والتوسع الجغرافي، وفقا لمبدأ "الحدود ترسم بالدم"، والشروع بالاجراءات العملية لتنفيذ مخطط الانفصال متمثلة في البداية بالاستفتاء، رغم الرفض الدولي والاقليمي والداخلي الواسع، كلها عبرت عن المسارات الخاطئة التي اختارها صناع القرار الكردي، رغم ان انعكاساتها السلبية على المواطن العادي، كانت تظهر وتتجلى سريعا، من خلال تأخر صرف الرواتب، وتراجع الخدمات الاساسية، وانحسار النشاط التجاري وحركة الاسواق، وارتباك قطاع السياحة، ناهيك عن تفاقم حدة الخلافات والصراعات والتقاطعات السياسية بين الفرقاء الى مستويات كبيرة، لم يعد ممكنا حيالها ضمان الحد الادنى من التفاهمات والتوافقات الكردية بشأن القضايا المحورية-الاستراتيجية لمنطقة كردستان.

والى جانب غياب قيادات كردية كبيرة ومخضرمة عن المشهد السياسي العام، مثل الامين العام للاتحاد الوطني الكردستاني، جلال الطالباني، والامين العام لحركة التغيير (كوران)، نوشيروان مصطفى، راحت تبرز قوى سياسية-مجتمعية جديدة، مثل حركة الجيل الجديد، التي يبدو ان لها دورا كبيرا في التظاهرات والاحتجاجات الجماهيرية الاخيرة، والتحالف من اجل العدالة والديمقراطية بزعامة القيادي المنشق عن الاتحاد الوطني، برهم صالح، ومن غير المستبعد ان تفرز الظروف الراهنة اسماء وعناوين اخرى في ظل حراك متعدد الاتجاهات ومتنوع الادوات.

ومضافا الى تداعيات الازمات المالية لكردستان، فإن مطلب تغيير الواقع السياسي، بوجوهه ومسمياته السياسية والحزبية، التي اقترنت مجمل المشاكل والازمات، وشتى مظاهر الفساد بها، ليس بالامر الجديد، حتى باتت هناك قناعة تامة لدى فئات وشرائح اجتماعية واسعة، ونخب ثقافية-فكرية عديدة، بأن بقاء الطبقة السياسية الحاكمة في كردستان، يشكل عائقا حقيقيا امام حل المشاكل الداخلية بين الفرقاء، وامام حل المشاكل مع الحكومة الاتحادية في بغداد، وامام ترميم العلاقات مع المحيط الاقليمي، بما يعود بالنفع والفائدة على المواطنين الاكراد.

من غير الصحيح المرور على مفردة "ارحل"، التي رفعها المتظاهرون الاكراد، مرورا عابرا، بل ينبغي التعاطي معها على انها رسالة بليغة وعميقة لمن يعنيهم الامر، وهي تمثل مرحلة متقدمة تنطوي على صراحة اكبر في تشخيص الواقع والتعبير عن المطالب.

وطبيعي ان التظاهرات الاحتجاجية، لم تخلو من التدخلات الخارجية والاجندات السياسية، حالها حال اي فعاليات سياسية مماثلة في اي بلد من بلدان العالم.

ففي الوقت الذي يمكن النظر الى مظاهر الاعتداء والتجاوز على الممتلكات العامة-الحكومية او الاهلية-واستباحة المقرات الحزبية، والقتل العشوائي، على انها سلوكيات انفعالية غير منضبطة ذات طابع شخصي، فإنها يمكن ان تكون مقصودة ومخطط لها من قبل هذا الطرف او ذاك، وهنا نعود الى الاسباب والمقدمات الخاطئة التي اوصلت الامور الى ما وصلت اليه، والا من غير المنطقي التوقف عند النتائج الكارثية وتجاهل المقدمات السلبية.

والنظرة الدقيقة لمجمل تفاعلات المشهد الكردي الراهن، ستوصلنا الى استنتاج مفاده، ان الخيارات التي كانت مجدية قبل ثلاثة شهور، لم تعد كذلك، وان الحلول الترقيعية قد تفضي الى احتواء التأزم، واستعادة الهدوء، الا ان ذلك الاحتواء والهدوء لن يدوم طويلا، فلم تعد القضية ترتبط بإلغاء الاستفتاء، ولا بصرف استحقاقات منطقة كردستان، ولا بإنطلاق الحوار بين بغداد واربيل.

عادل الجبوري / العهد 

109-2

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

تبقى لديك : (1000) حرف

آخر الأخبار

الأکثر مشاهدة