هل نحن حقا على أبواب انفراجة في ملف سد النهضة؟ 

هل نحن حقا على أبواب انفراجة في ملف سد النهضة؟ 
الجمعة ٠٨ يونيو ٢٠١٨ - ٠٥:٥٠ بتوقيت غرينتش

استوقفتني التصريحات الأخيرة لسفير إثيوبيا لدى الخرطوم، ملوقيتا زودي، والذي قال فيها بإن إثيوبيا ومصر والسودان أوجدت مخرجا لأزمة سد النهضة خلال الاجتماع الأخير في أديس أبابا. فهذا الملف الإفريقي الشائك العالق الذي طالما أكدت تقاريرمتعددة بأنه يوحي باندلاع حرب وشيكة على المياه، هل حقا بات له مخرجا؟ نظرة على ملف سد النهضة وتداعياته والخلافات وجولات المفاوضات قد يعطي صورة أوضح.

العالم . مصر

 سد النهضة

سد النهضة أو سد الألفية أو الحدود هو سد إثيوبي يقع على النيل الأزرق بالقرب من الحدود الاثيوبية السودانية. يعود هذا السد بالعديد من المنافع الاقتصادية على اثيوبيا اما لدول المصب وهي مصر والسودان مخاوف من بناء هذا السد. ونتيجة لتداعياته السلبية على دول المصب أثار سدّ النهضة الكثير من الجدل في الأوساط الإفريقيّة والشرق أوسطية.

تداعيات بناء السد

يحمل بناء السدّ العديد من المنافع الاقتصاديّة لدولة إثيوبيا، أهمها الإنتاج الكبير للطاقة الكهربائية كما أن بناء السدّ على النيل الأزرق سيقلل من مخاطر الفيضان السنوي الذي يدمر العديد من القرى في حالة زيادة منسوبه عن المعتاد. إلا أن دول المصب و هي مصر والسودان تخشي من التداعيات السلبية لهذا السد، فمصرتخشى من انخفاض مستوى نهر النيل في فترة ملء خزان سدّ النهضة، وهو ما سيؤثر سلباً على الزراعة المصريّة، و مخاوف عديدة اخرى. أما الأضرار التي تقع على السودان جراء قيام سد النهضة  تتمثل في اضمحلال قمم الفيضانات وتأثير ذلك على مساحات الجروف على طول مجرى النيل بجانب انخفاض تغذية أحواض المياه الجوفية المجاورة على طول مجرى النيل الأزرق والنيل الرئيسي، فضلا عن أضرار أخرى.

الخلافات

تشير بعض التقارير أن فكرة بناء السد العالي من قبل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر دون استشارة أثيوبيا هو ما جعل اثيوبيا تهدد ببناء سد النهضة الذي كانت قد أثبتت الدراسات من قبل أن التربة في إثيوبيا غيرصالحة لإنشاء السدود وأن إنشاء السد سيشكل تهديدا مائيا على مصر. وظهر الخلاف الثاني عندما أعلن السادات عن مشروع تحويل جزء من مياه النيل لري 35 ألف فدّان في سيناء وهو ما رفضته إثيوبيا وهددت بإنشاء السد وتحويل مجرى النهر عن مصر. إلا أن تقارير اخرى تؤكد بأن فكرة إنشاء سد النهضة الإثيوبى خرجت من "رحم" الولايات المتحدة الأمريكية، عندما خطط مكتب الاستصلاح الأمريكى فى الفترة من 1956 إلى 1964، لتخزين المياه فى إثيوبيا وليس فى مصر، لكن قرار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر للحفاظ على الأمن المائى المصرى وإصراره على بناء السد العالى بعد رفض أمريكا تمويله، أحبط هذا المخطط لسنوات. ثم عادت إثيوبيا لإحياء الفكرة عام 2009، بمسح موقع السد مرة أخرى، وأنهت تصميمه فى نوفمبر 2010، وأعلنت فى نهاية مارس عام 2011 عن بناء السد على النيل الأزرق بالقرب من الحدود الإثيوبية السودانية.

المفاوضات

على مدى أكثر من 6 سنوات جرت مفاوضات عديدة بين مصر والسودان وإثيوبيا حول هذا السد. سنعرض هنا أبرز محطات المفاوضات ونبدأها من عام 2011 عندما اتفق الدكتور عصام شرف أول رئيس وزراء مصري بعد ثورة 25 يناير 2011 مع نظيره الإثيوبي ميلس زيناوي على تشكيل لجنة دولية تدرس اثار بناء السد الإثيوبي.

في مايو 2012 بدأت اللجنة أعمالها وتكونت من 10 خبراء، مصريين وإثيوبيين وسودانيين و4 خبراء دوليين محايدين، وكانت مهمتها فحص ومراجعة الدراسات الإثيوبية الهندسية ومدى مراعاتها للمواصفات العالمية وتأثير السد على دولتي المصب السودان ومصر.

في 31 مارس 2013، أصدرت لجنة الخبراء الدوليين تقريرها بضرورة إجراء دراسات تقييم لآثار السد على دولتى المصب. وبدأت المفاوضات الفنية بين وزراء المياه من الدول الثلاث للاتفاق على آلية تنفيذ توصيات تقرير لجنة الخبراء الدوليين ولكن المفاوضات فشلت لأن مصر رفضت تشكيل لجنة فنية دون خبراء أجانب والانسحاب من المفاوضات.

في عام 2014 التقى السيسي مع رئيس الوزراء الإثيوبي على هامش أعمال القمة الإفريقية وتم الاتفاق على استئناف المفاوضات. ثم تم تشكيل لجنة من 12 خبيرا من الدول الثلاث مصر والسودان و إثيوبيا لحث الية القيام بالدراسات الفنية للسد. وفي سبتمبر 2014 حتى يناير 2015 دارت اجتماعات ومشاورات بين الدول الثلاث حول اختيار المكاتب الاستشارية المعنية بدراسة تاثيرات السد.

في 23 مارس 2015 خلال القمة الثلاثية بين رؤساء مصر وإثيوبيا و السودان في الخرطوم وقع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي و نظيرة السوداني ورئيس وزراء إثيوبيا على وثیقة إعلان المبادئ و التي تنص على أن تقوم المكاتب الاستشارية بإعداد دراسة فنية عن سد النهضة. ولكن انسحب المكتب الهولندي مع المكتب الفرنسي من اجراء الدراسات لأسباب تتعلق بعدم الدقة و الحيادية حسب مراقبون. وفي ديسمبر 2015 تم تكليف المكتب الفرنسي أرتيليا الى جانب المكتب الفرنسي بي ار ال لتنفيذ الدراسات الفنية الخاصة بمشروع السد.

في مايو 2016 أعلن وزير الإعلام والاتصالات الإثيوبي غيتاشو رضا أن حكومته اوشكت على اكمال 70 بالمائة من بناء السد. وفي سبتمبر 2016 وقع رؤساء وفود مصر والسودان وإثيوبيا عقود المكاتب الاستشارية المنفذة للدراسات الفنية التي تحدد اثار السد على دول المصب مصر والسودان.

في مايو2017 إنتهى المكتب الاستشاري الفرنسي من التقرير الاستهلالي ولكن الدول الثلاث اختلفت على التقرير. وفي 14 من سبتمبر 2017 بحثت اللجنة المشتركة بين الدول الثلاث التقرير الاستهلالي ولكن الخلافات استمرت حول بنود ذكرها التقرير.

في 15 اكتوبر 2017 اعلنت مصر موافقتها المبدئية على التقرير الاستهلالي  وفي 17 اكتوبر عادت المفاوضات في أديس ابابا ووزير الري المصري زار لأول مرة موقع سد النهضة لمتابعة الأعمال الانشائية والتحقق من التفاصيل الفنية. في 13 من نوفمبر 2017 بعد جولة من المفاوضات في القاهره على مدار يومين، رفضت السودان وإثيوبيا الموافقة على التقرير الإستهلالي و مصر أكدت عدم التوصل لاتفاق.

في يناير 2018 رفضت إثيوبيا مقترح مصري حول إشراك البنك الدولي في مفاوضات سد النهضة. فقد كانت مصر قد اقترحت أن يشترك البنك الدولي كوسيط محايد في اعمال اللجنة الثلاثية التي تبحث في تاثير انشاء السد. وفي 4 و5 من ابريل 2018 عقد اجتماع ثلاثي لوزراء الخارجية والري ومديري أجهزة المخابرات في السودان وإثيوبيا ومصر ولكن دون جدوى ولم يتم التوصل الى اتفاق. وعلقت إثيوبيا بأن سبب فشل المفاوضات هو عدم جدية وعدم تعاون الجانب المصري وطرحه لاتفاقية 1959 في المشاورات، وأنه لم يقدم تعاونا ولا رغبة بأن يأتي هذا الاجتماع بنتيجة عقلانية.

وعقد في 5 مايو 2018 في أديس أبابا اجتماع فني وضم وزراء الري وخبراء من مصر وإثيوبيا والسودان، وفشل أيضا في كسر الجمود الذي يعتري المفاوضات المتعلقة بأزمة سد النهضة الإثيوبي حسب تعبير وزير الخارجية المصري سامح شكري الذي أكد أن إثيوبيا و السودان مازالا يتحفظان على التقرير المبدئي الذي أعده المكتب الاستشاري المتعاقد معه لإجراء الدراسات الفنية الخاصة باثار السد.

 لكن في 17 مايو 2018 عقد اجتماع في أديس ابابا بين وزراء الخارجية والري ورؤساء أجهزة المخابرات في الدول الثلاث وقبلت الدول الثلاث الدعوة من مصر لاستضافة اجتماع كبار المسؤولين في القاهرة يومي 3 و4 في شهر يوليو القادم. وبعد هذا الاجتماع اعلن سفير إثيوبيا بأن الدول الثلاث أوجدت مخرجا للأزمة و أكد عبدالفتاح السيسي أنه تم التوصل الى "انفراج" في محادثات مع السودان واثيوبيا في شأن السد.

فهل بعد كل هذه المفاوضات المتعددة المتعثرة التي استمرت اكثر من 6 أعوام على مستوى الوزراء والقادة والخبراء والتي في كل مرة تتراوح الأزمة مكانها ويتهم البعض الاخر بإفشال المفاوضات، هل سنشاهد حقا انفراجة في المحادثات بحسب الرئيس السيسي؟ وهل أوجدت الدول الثلاث مخرجا للأزمة وهل حقا ستتم تسوية الأزمة بعد أن تتفق الدول الثلاث على الجوانب التقنية كما أكدت إثيوبيا؟ وهل بات اخيرا يلوح في الأفق بوادر حلحلة الأزمة؟ إنها مجرد تساؤلات ولكن ربما هناك مجريات لاتزال مخفية تقف وراء هذه التصريحات وبكل الاحوال فان الايام المقبلة ستكشف ملامح الصورة بشكل جلي.

210

تصنيف :

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

تبقى لديك : (1000) حرف

آخر الأخبار

الأکثر مشاهدة