إعلام الفتنة وفتنة الإعلام في العالم المعاصر

الثلاثاء ١١ يناير ٢٠١١ - ٠٧:٢٠ بتوقيت غرينتش

إن المتأمل في حراك التاريخ يجد أن مسعى إصلاح ذات البين بين البشر وإن اختلفوا منطلقه كلمة طيبة تأتي أكلها تصنعها عقول حصيفة وتبثّها ألسن صادقة وضمائر نقية تقطع مع أسباب الفرقة كقطعها مع الحقد والبغضاء. إنها ضمائر حية تصنع السلم الاجتماعي بين الناس وتحسن نقل الخبر دون تبرّم وخدعة في إعادة إنتاجه، من اجل وحدة الشعوب حتى لا تعرف العلاقات مع البشر تصدعا وقطيعة.

إن المتأمل في حراك التاريخ يجد أن مسعى إصلاح ذات البين بين البشر وإن اختلفوا منطلقه كلمة طيبة تأتي أكلها تصنعها عقول حصيفة وتبثّها ألسن صادقة وضمائر نقية تقطع مع أسباب الفرقة كقطعها مع الحقد والبغضاء. إنها ضمائر حية تصنع السلم الاجتماعي بين الناس وتحسن نقل الخبر دون تبرّم وخدعة في إعادة إنتاجه، من اجل وحدة الشعوب حتى لا تعرف العلاقات مع البشر تصدعا وقطيعة.

 

أما اليوم، ونحن في عالم انقلبت فيه الموازن حتى اعتلى فيه منخفض وانخفض فيه معتلي واختلط الحابل بالنابل، فان الكلمة الحرّة تؤجّر كما يؤجّر الأجير، هي بين أيادي قوى الاستعمار التي تحن للعودة وإعادة إنتاج الظلم والقهر بما يتماشى وعولمة القيم التي أفرغتها قوى الشر من محتواها لتكتسب ومواقع ونفوذا في دول وأقطار باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان تتدخل في الشؤون الداخلية لدول ذات سيادة تؤجّر لصناعة المنكر المحظور أبواق دعاية وإذنابا، تقدمهم رسل سلام مبشرين بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في أوطانهم. وهم في الواقع إخوان للشياطين أعمالهم منكر وتصرفاتهم رذيلة، باعوا أوطانهم حتى أعلن الضمير الجماعي موتهم وهم أحياء ولن يقبل لهم في الوطن الحرّ عزاء، ولذوي البصيرة في التجربة العراقية موعظة.

 

في هذا الحيز الجغراسياسي الدولي يمتهن الاتجار بالكلمة نزر كثير. للمشاهد والسامع يظهرون ما لا يبطنون، ومن حيث أنهم يشعرون أو لا يشعرون يخدمون أجندات أجنبية توظف القيم الكونية بل تركبها للاعتداء على السمعة السياسية واقتصاديات الدول والأقطار الصاعدة التي أمّنت نفسها من الهزات وحصّنت شعوبها من الفتنة.

 

تونس ذات التاريخ التليد تجدّد فيها الفكر وسادت القيم المنظومة السياسية والاقتصادية حتى أصبحت قبلة لمن يطلب الأمن والأمان. إلا أن إرضاء الناس غاية لا تدرك، وقد تحدث الأيام والسنون امرا.

 

أحداث طبيعية في سياق تاريخ النظم السياسية والاقتصادية الحديثة، هي نتيجة الحراك الاقتصادي والسياسي وما يشهده المحيط المحلي والإقليمي والدولي من نقلة نوعية أثرت على التعابير الثقافية من ذلك التعبير على الحرية التي ضمنتها الدساتير وكفلتها التشريعات ليصبح تنظيم المسيرات أمرا مستساغا في العالم المعاصر ولا يعتقد نزيه أن تشذّ تونس الحديثة عن قاعدة، لان العقل الناقد الذي أسس لتغيير السابع من نوفمبر1987 آل على نفسه التأسيس للحريات بما يتماشى والخصوصية التونسية التي تنأ بنفسها عن التنظير والتغني بالشعرات لتهتم بالتنمية المستدامة وتستعد لتوظيف كل إمكانيات الدولة والقطاع الخاص بل إمكانيات مختلف مكونات المجتمع المدني نهوضا بالمواطن.

 

عملت تونس لرزق شعبها كل آلة: استوعبت المؤسسات الجامعية والمعاهد العليا فيها نصف الشباب، ولم تثنها الأزمة العالمية والكبوات التي يشهدها الاقتصاد العالمي عن حفز الشباب لطلب العلم وانقطعت لتجنّيد كال طاقاتها في مجتمع لكل الأجيال والأعمار لتوفير الشغل لطالبيه وهي علي دراية تامة بان البطالة شبح مخيف لا يتحمل أوزارها إلا ذو عقل حصيف ليمام بالوضع الدولي الراهن لهذا اختارت تعليم شابها وهذا ما يميزها على دول وأقطار، لأنها تدرك أن التعامل مع شباب مثقف متعلّم في معالجة ما يطرح من قضايا وما يفرزه التعامل اليومي بين مختلف الفئات الاجتماعية من مشاغل أفضل من التعامل مع جاهل لا يعرف للعالم موقعا وقرارا وهذا ما يحصّنها حتما من الهزّات المحتملة.

 

إن ما يحدث في تونس اليوم لا يزيد على أن يكون ظرفا عابرا دفع الشباب للتعبير أو قل التصعيد لان نزرا قليلا من الشباب أساء فهم الحرية حتى ظلم المجتمع وألحق بالأخر أضرارا في النفس والمال والوسيلة متجاوزا بذالك القانون والأعراف الاجتماعية، حتى اضطر المؤتمنون على النظام العام للرد، حماية للوطن والمواطن وصونا للضمير الجماعي وإلا فأي معنى لحرية تؤدي للتخريب والحرق أو قل الاعتداء مهما كان شكله وحجمه؟ أي معنى للصمت عن الفوضى باسم الحرية في دولة القانون المؤسسات في العالم المعاصر؟ أننظر لصومال جديد في الدول الصاعدة؟

 

واجهه العقل الناقد ما حصل (ذاك الذي أعلنته الهياكل الرسمية بالموضوعية المطلوبة والشفافية المطلقة صورة وصوتا) بحسن التعامل ودقة الاستماع، لان تونس أسست لفكر استشرافي حداثي هو القاسم المشترك بين التونسيين مهما اختلفوا، فكر تشبع بقيم الجمهورية لا تهزه الأقاويل والأراجيف لان إرادة الحياة تونسية المنشأ ومقولة الشابي خالدة لا يموت:

 

إذا الشعب يوما أراد الحياة ... فلا بدا أن يستجيب القدر

 

إن المجمعين على قيم الجمهورية والخيارات الصائبة لتونس الحديثة يجمعهم عهد وميثاق، يجمعهم الميثاق الوطني، وميثاق الشباب يجمعهم أيضا. لهذا نرى جميعهم (الا ما شذّ) لا يهزهم الإعلام الموبوء الذي تسوق له قناة فرنسا 24 وتحاكيها قناة الجزيرة التي ابتعدت عن المهنية لتتخذ ممن رفضهم المجتمع لخطهم السياسي المشؤوم الذي تسيطر عليه قوى الاستعمار والردّة، "مراسلين " تقدمهم على أساس أنهم رجال إعلام وخبرات والحال أن بعضهم لم يحفظ من الإعلام إلا "أدب شتيمة" له يروج، ومن العلوم الحديث سوى القدرة على إعادة إنتاج ما تروج له قوى الاستعمار البغيض. لقناة الجزيرة يقول العقل الحصيف هلاّ سألت التاريخ عن المنجز في تونس؟ هل تم التثبت من الصورة التي ترسل للقناة حتى تعلّق على ما حدث بجزم ووثوقيّة؟ هل تساءل المتتبعون للقناة عن سوء تقديرها لما حدث وعن أسباب هرولتها لتخصيص حصة من برنامج "في العمق" للحديث عن أحداث سيدي بوزيد، هلا هرولت للرجوع للتقارير العالمية حول التصنيفات الدولية لتونس الحديثة؟ هلاّ سارعت باستدعاء خبراء للحديث عن انجازات الصندوق الوطني التشغيل في الخماسية الأخيرة وهلا ّقارنت المنجز في قطاع التشغيل في تونس اليوم بما تنجزه اعتي الاقتصاديات الخليجية بل حتى الأوروبية في هذا المجال؟

 

هل تساءل أهل الرأي والخبرة الدولية عن التزام هذه القناة الصّمت اثر تبني المجتمع الدولي لمبادرات الرئيس التونسي زين العابدين بن علي؟ وعلى ما ترصده من اعتمادات إضافية للتشغيل وغيره من القطاعات الحيوية ذات الصلة؟

 

على هذه القناة يطرح الوطنيون الخلّص السؤل التالي: لو اعتدى معتدي على قناة الجزيرة بالهراوات والعصي وكسروا وحطموا واقتحموا قاعة البث على جمانة...، او سي جمال... او سي محمد كريشان او سي الحبيب الغريبي او قل على أي من رجالها ونسائها المحترمون لسوء الأداء وعدم التزامهم مبدأ الحياد والنزاهة مثلا، ولو فرضنا جدلا أنهم حاول الاعتداء على احد مؤجريها ممن يمتهن الإعلام لا قدر الله ما ترى من يسهر على حماية القناة فاعل؟ أتراه يتلوا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أم يدافع دفاعا شرعيا عن القناة بما تحمل؟

 

ان حرية التعبير شيء والعنف والتطرف شيء أخر لا يقبل عقل ولا يستسيغه معتدل.

 

ان أهل الخبرة مدركون مخاطر الإعلام المأجور وهم يوقنون أن تونس عصية عن أي اختراق محتمل.

 

إن السلوك المعزول يبقى معزولا والقيم الكونية تبقى ثابتة قاطعة مع العنف، لان العنف كما يذهب لذلك الدكتور سمير العبيدي وزير الاتصال بالجمهورية التونسية "ليس وجهة نظر" بل يصب في مصب واحد مع التعصب والتطرف الذي قطع معها شباب تونس ليبقى الطارئ حدثا مغزولا تغذيه أطماع سياسية مفلسة صدى لها ولا موقع لان استعمار صانعها وقوى الشر توجهها.

 

يستشرف العقل الناقد اليوم لتونس الحديثة مستقبلا أفضل يصنعه شبابها بالفكر والساعد والمنجز في الحاضر والمستقبل القريب يؤمن اقتصادها من إعلام الفتنة.

 

إن دم التونسي غال لا يراق... لتبقى ربوع سيدي بوزيد والقصرين وتالة والكاف، قفصة وقبلي، سوسة والمهدية الشابة وجبنيانة ربوع خير ونماء، بل كل شبر منها قبلة للمستثمرين والسياح... ليقول أهل العزم والعزيمة، أن استقلالية القرار التونسي لا يقبل المزايدة، سيادتها، هيبتها كحقوق الإنسان خط احمر لا يقبل مساومة... بالقلم بالمال والأنفس شبابها مهما اختلفت مشاربهم وأذواقهم وجهاتهم لها فداء.

 

للجزيرة ومن له تروج يقول أهل الحكمة قولا مستعارا من الزعيم الراحل ياسر عرفات "يا جبل ما يهزك ريح"، لان العقل الحصيف يستشرف للخونة دعاة الفتنة في العالم المعاصر الخيبة، وللبلدان الصاعدة كتونس الحديثة النجاح الاقتصادي والقدرة على تجاوز كل ظرف.

 

يستشرف لها كسب مواقع دولية جديدة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي وهل ستتحمس الجزيرة ومن تبعها للتنويه بالمنجز في تونس على درب التنمية المستدامة يا ترى؟

*ميدل ايست أونلاين- البشير سعيد

آخر الأخبار

الأکثر مشاهدة