عطوان: المارد الصيني يزحف بقوة الى المنطقة عبر البوابة السورية..

عطوان: المارد الصيني يزحف بقوة الى المنطقة عبر البوابة السورية..
الأحد ٠٥ أغسطس ٢٠١٨ - ٠٦:٥٣ بتوقيت غرينتش

قبل عشر سنوات تقريبا، دعيت للمشاركة في ندوة سياسية أقيمت في مكاو، المستعمرة البرتغالية السابقة التي تقع قرب هونغ كونغ، وهناك تعرفت على "شاب" عربي كان ضمن فريق المترجمين، وقال لي انه يقيم في الصين منذ أربعين عاما، حيث وصلها مهاجرا باحثا عن لقمة العيش، وتزوج من احدى فتياتها.

العالم - سوريا

هذا الشاب قال لي ان الصينيين قبل اربعين عاما كانوا لا يأكلون غير الرز المسلوق في وجباتهم الثلاث، ولا يرتدون غير الملابس المصنوعة من الكتان في زي موحد على طول البلاد وعرضها، الآن المطاعم الفرنسية والإيطالية واليابانية والهندية في كل مكان، وباتت ماركات الملابس الفرنسية الصنع تتصدر المحلات، وختم مطالعته بالقول ان السلطات الحاكمة في بكين قررت ان تركز على بناء اقتصاد قوي، وانتقلت بعدها الى امتلاك القوة العسكرية والنووية تحديدا في إطار تركيزها على الداخل، واتوقع ان يكون عنوان المرحلة المقبلة هو الانفتاح خارجيا، ولعب دور استراتيجي في القضايا العالمية، والشرق أوسطية خصوصا.

تذكرت كلام هذا الشاب الذي يحمل درجة الدكتوراه في العلوم السياسية مثلما قال لي، وانا اقرأ تصريح السفير الصيني في بيروت تشي كيانجين، الذي قال فيه ان الجيش الصيني مستعد للمشاركة بشكل او بآخر الى جانب نظيره السوري لمحاربة الإرهابيين في منطقة ادلب، او أي جزء آخر من سورية.

هذا التصريح الذي تعمد السفير ان يدلي به الى صحيفة "الوطن" المقربة من السلطات السورية، جاء مفاجئا للكثيرين ونحن منهم، لان الصين، وطوال النصف قرن الماضي، نأت بنفسها كليا عن الحروب الشرق أوسطية، وامتنعت عن ارسال أي قوات للقتال خارج حدودها، طوال مرحلتي "التمكين" الاقتصادي والعسكري التي مرت بهما.

العارفون ببواطن الأمور يقولون ان الصين تخشى من عودة المسلحين من عرقية الايغور الإسلامية في جنوبها الغربي، الى اقليمهم معبئين بأيدولوجيتي تنظيمي القاعدة وداعش، والانخراط في اعمال عسكرية على غرار ما حدث في سورية طوال السنوات السبع الماضية، خاصة ان التنظيمين المذكورين يتهمان السلطات الصينية باضطهاد الأقلية المسلمة، وارتكاب مجازر في حقها، ويجد هذا الطرح قبولا في بعض اوساطها، والشباب خصوصا.

السلطات الصينية تمهد بهذه التصريحات لإرسال قوات خاصة، او مستشارين للمشاركة في معركة ادلب القادمة وربما الوشيكة ايضا، للقضاء على رعاياها المنخرطين في الحزب الإسلامي التركستاني، الذين يقاتلون تحت لواء "هيئة تحرير الشام" (النصرة سابقا) ويملكون قدرات قتالية عالية جدا للحيلولة دون عودتهم الى آسيا الوسطى، او منطقة الايغور الملاصقة لشرق أفغانستان.

هذا التحرك الصيني اقلق تركيا، ورئيسها رجب طيب اردوغان على وجه الخصوص، لان القاء الصين القوة العظمى بثقلها في معركة ادلب، والى جانب الجيش السوري، يعكس تحولا استراتيجيا، يعزز احتمالات الصدام السياسي والعسكري بين الجانبين، فالسلطات التركية تحتضن، بطريقة غير علنية، الحزب التركستاني المذكور، وتعتبر أهالي إقليم الايغور اتراكا، يمثلون الطرف الشرقي للحزام التركي الذي يمتد حتى إسطنبول الأوروبية، وما بعدها غربا (أجزاء كبرى من بلغاريا ورومانيا والبانيا، وحتى كوسوفو والبوسنة وشبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا قبل بضعة أعوام).

العلاقات الصينية السورية قوية، والمبعوثون الصينيون لم يتوقفوا عن زيارة دمشق في السنوات الماضية، وكانت بكين من الدول القليلة التي فتحت أبوابها للمسؤولين السوريين، واعجاب الرئيس بشار الأسد بالتجربة الصينية، بشقيها الاقتصادي والعسكري، وصيغة الحكم، لا يمكن انكاره، وبادر، اي الرئيس السوري، بارسال العديد من الخبراء السوريين لدراسة هذه التجربة سواء قبل الازمة الحالية او اثنائها، ويتوقع الكثير من الخبراء ان يكون للصين دور كبير في معركة إعادة الاعمار القادمة.

وربما يفيد التذكير بأن مندوب الصين في الأمم المتحدة لم يستخدم الفيتو الا مرتين ضد مشاريع قرارات أمريكية او غربية، تتعلق بالازمة السورية، وللمرة الأولى منذ انضمام الصين الى العضوية الدائمة لمجلس الامن، بعد ان حلت محل تايوان، رغم انه، أي الفيتو الصيني لم يكن ضروريا، لانه جاء دعما لنظيره "الروسي" الكافي وحده لتعطيل مشروع القرار الغربي في معظم الأحيان.

منطقة الشرق الأوسط باتت الميدان الجديد للتمدد الصيني الاستراتيجي، فالحكومة الصينية تمول حاليا خط انابيب الغاز الذي يمتد من طهران الى باكستان، وتحتل المرتبة الأولى على لائحة مستوردي النفط من ايران (700 الف برميل يوميا)، وجاء حصول حزب الانصاف الذي يتزعمه عمران خان، لاعب الكريكت السابق وحليفها الأبرز ليعزز اقدامها في المنطقة.

الكويت كانت الدولة العربية الوحيدة تقريبا التي تؤمن بأهمية الدور الصيني الزاحف الى المنطقة، وانعكس ذلك بتوقيع اميرها الشيخ صباح الأحمد سبع اتفاقيات تجارية مع الصين اثناء استضافة الأخيرة لمنتدى التعاون العربي الصيني الذي انعقد في بكين قبل شهر، ابرزها استثمارات صينية في جزيرة بوبيان، وزيادة حجم الصادرات الكويتية غير النفطية ثلاثة اضعاف بالمقارنة مع حجمها الحالي وهو نصف مليار دولار سنويا.

المارد الصيني يزحف بقوة الى منطقة الشرق الأوسط، شاهرا أسلحته السياسية والاقتصادية والعسكرية، وعبر البوابة السورية، وأول الغيث ادلب.. والأيام بيننا.

*عبد الباري عطوان

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

تبقى لديك : (1000) حرف

آخر الأخبار

الأکثر مشاهدة