الإنفاق العسكري في الخليج الفارسي: لمصلحة من؟

الإنفاق العسكري في الخليج الفارسي: لمصلحة من؟
الأحد ٠٥ يونيو ٢٠١١ - ٠٥:٤٤ بتوقيت غرينتش

الدلالة الأهم في هذه الحقائق، هي أن هذه المليارات التي تنفقها حكومات الدول العربية في الخليج الفارسي على التسلح، ليست أكثر من جزء هام من المليارات التي تضخ لصالح مصنعي السلاح في أوروبا والولايات المتحدة وآسيا..في الوقت الذي يتوقع فيه أن يكون ذلك على حساب مشاريع التنمية البشرية ورفاهية شعوب المنطقة..

التحول الكبير في المكانة الجغرافية السياسية للخليج الفارسي بعد اكتشاف النفط، أدت إلى تغييرات جذرية في بنيوية الأنظمة، جعلت منه الطرف الأساس في التوازنات العالمية، وتحديدا في العلاقات الدولية والمجالات الجغرافية السياسية، ليصبح أهم المناطق على الخارطة العالمية.

فبعد أن كانت السويس كبيرة والخليج "الفارسي" صغيرا في نظر المستعمر، أصبح الخليج كبيرا والسويس صغيرة جدا، والسبب هو اكتشاف النفط، والذي أدى من حيث النتيجة إلى تغيرات بنيوية في سلوك الأنظمة السياسية داخليا وخارجيا.

هذه التحولات الجغرافية السياسية أوصلته إلى مكانة عالمية، تشعبت فيها علاقاتها مع دول العالم في مزيج معقد من السياسة والعسكرة، انتقلت بها إلى مرحلة دقيقة جدا من التوازنات الإستراتيجية مع دول الغرب والشرق على السواء، بحيث أصبحت قضاياها تؤثر على كل دول العالم من أميركا إلى الصين.

ويبدو أن منطقة الخليج "الفارسي" التي تمثل إحدى المناطق الإستراتيجية في العالم المعاصر، باعتبارها تزخر بأعلى احتياطات النفط العالمية، ستدفع خلال الفترة المقبلة المزيد من مداخيلها لصالح تجهيز جيوشها، في الوقت الذي يتوقع فيه أن يكون ذلك على حساب مشاريع التنمية البشرية ورفاهية شعوب المنطقة.

فعلى سبيل المثال، وكما أكدت دراسات لخبراء عسكريين، فإن ميزانية الإنفاق على التسلح السعودي تثير الكثير من علامات الاستفهام حولها، فهي بحسب المراقبين، تساوي ما ينفق على جيوش إيران وتركيا وإسرائيل مجتمعة، بالنظر إلى أن الجيش السعودي يصنف من بين الجيوش المتواضعة الحجم والمقدرة.

إلا أن المراقبين ذاتهم يرون أن "مليارات" هذه الصفقات تسهم في رفد المواقف السياسية والدبلوماسية للرياض ومنحها قوة ضاغطة.

منطقة الخليج الفارسي، وفي موضوع التسلح والإنفاق العسكري، لم تكن استثناء من تلك القاعدة. فالركود العالمي وارتفاع أسعار النفط والمخاوف من نشوب صراعات على أطراف المنطقة إن لم يكن في قلبها، أدت إلى موجة جديدة من سباقات التسلح، ليس فقط بين دول المنطقة، بل أيضاً بين الشركات المصنعة والمنتجة للسلاح على مستوى العالم.

سباق التسلح كان القطاع الوحيد الذي لم تطله الأزمة المالية العالمية الاقتصادية والمالية الراهنة، فرغم إجراءات التقشف التي اتخذتها الحكومات والدول حول العالم، لتفادي أو تخفيف وطأة الأزمة الاقتصادية، ظلت ميزانيات الدفاع والتسلح والإنفاق العسكري على ما هي عليه، بل نمت في أحيان كثيرة، وبخاصة في المناطق الملتهبة أو المرشحة للالتهاب إذا صح التعبير.

فما هو إذاً حجم الإنفاق الراهن على برامج الدفاع والتسلّح في دول عربية في الخليج "الفارسي"؟ وما هي نسب هذا الإنفاق من النواتج القومية الفردية والإجمالية لبلدان المنطقة؟. وكم هي حصة الفرد السنوية من الإنفاق الدفاعي؟ وما هي صفقات التسليح الجديدة التي تنتظرها هذه المنطقة الحساسة من العالم؟

يشير كتاب سيبري السنوي لعام 2010 (SIPRI Yearbook2010) الصادر في يونيو من العام من العام 2010 عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، إلى أن هذا الإنفاق قد ارتفع في الفترة بين عامي 1988 و2009 في سلطنة عمان من 2.11 مليار دولار إلى 4 مليارات دولار. وفي الكويت من 3.31 إلى 4.58 مليارات دولار. وفي السعودية من 17.83 إلى 39.25 مليار دولار، وفي البحرين من 232 إلى 721 مليون دولار. ولا توجد بيانات مكتملة لتطورات هذه الفترة في تقرير سيبري حول قطر أو دولة الإمارات.

وفي أماكن أخرى من الشرق الأوسط، ارتفع هذا الإنفاق في إسرائيل في الفترة بين 1988 و2009 من 12.29 إلى 14.3 مليار دولار، وفي لبنان من 263 مليون دولار إلى 1.4 مليار دولار، وفي سورية من مليار إلى 1.88 مليار دولار، وفي تركيا من 9.92 إلى 19 مليار دولار.

وسجل الشرق الأوسط عامة نفقات عسكرية في العام 2009 بلغت 103 مليارات دولار، مرتفعة بنسبة 40% عن العام 2000، مما جعلها الأعلى في العالم على الإطلاق فيما يخص الإنفاق العسكري!!!

واستوعبت مشتريات الأسلحة الجزء الأهم من الإنفاق العسكري لأقطار مجلس التعاون للدول العربية .

وتوحي البيانات المتاحة بأن هذه المشتريات قد اقتربت، في السنوات الثلاث الماضية، في بعض جوانبها، من تلك التي شهدها النصف الأول من تسعينيات القرن العشرين، مع فارق أن الأسلحة الجوية قد بدت اليوم أكثر حضورا بحسب خبراء عسكريين.

أما على مستوى الاتفاقيات المستقبلية فيما يخص صفقات الأسلحة، فقد ذكرت صحيفة فايننشال تايمز نقلا عن مصادر مطلعة، أن فاتورة المشتريات العسكرية لأقطار مجلس التعاون لدول الخليج "الفارسي" بلغت حوالي ثلاثمائة مليار دولار خلال السنوات الخمس القادمة فقط، منها مائة مليار دولار لتقنيات دفاعية متممة، لدولتين خليجيتين.

كما يتوقع أن يصل الإنفاق على الدفاع البحري وحده في هذه الأقطار حوالي 17.5 مليار دولار بحلول العام 2020، وذلك وفقا لمؤسسة "جينز" الاستشارية.

على صعيد برامج التسليح القادمة، بحسب الصحيفة، فإن هناك مشاريع صفقات خليجية متعلقة بنوعين من أنظمة الدفاع الجوي المتوسطة المدى من الجيل الخامس، وكذلك أسلحة جوية، ومعدات وأسلحة برية، جلها من الدبابات وآليات المشاة المدرعة. وقد وصلت المفاوضات الخاصة بعدد من هذه الصفقات إلى مراحلها النهائية.

وفي الخامس عشر من يونيو 2010، ذكرت صحيفة تريبون الفرنسية، أن تكلفة تطوير المقاتلة رافال، حسب المواصفات التي طلبتها الإمارات، وصلت حدود الخمسة مليارات يورو (5.4 و6.7 مليارات دولار).

وأهم ما ميز صفقات السلاح خلال السنوات الخمس الأخيرة في منطقة "الخليج الفارسي" عامة وفي العراق خاصة، هي استحواذ الطيران على القسم الأكبر من هذه الصفات، وكذلك فان كل هذه الصفقات كانت أوروبية الصنع والاستيراد.

وفي السياق ذاته، تفيد تقارير إعلامية فرنسية بأن باريس تسعى لتسويق منظومة دفاع مضاد للصواريخ لدول الخليج، ربما تكون بدايتها في الكويت.

وإذا صحت هذه التقارير، فسوف يعني ذلك حدوث تحول كبير في موقع فرنسا، ليس في سوق السلاح الخليجي وحسب، بل وفي مقاربة أمن الخليج الفارسي عامة.

من جهة أخرى، أعلنت شركة بوينغ الأميركية في يناير 2010 عن فوزها بعقد لتزويد الإمارات بست طائرات نقل عسكري من طراز "سي 17"، مما يجعل الإمارات ثاني دولة في المنطقة تطلب شراء هذه الطائرات بعد قطر. وسوف تتسلم أبو ظبي أربعا من هذه الطائرات في العام 2011 واثنتين عام 2012.

على صعيد السلاح الألماني، ذكرت مجلة دير شبيغل في الثامن عشر من مايو 2009 أن برلين قررت السماح، لأول مرة، بتصدير دبابة القتال الرئيسية من طراز "Leopard 2"، التي تنتجها شركة "KMW GmbH"، إلى دول مجلس التعاون الخليجي، وأن مجلس الأمن القومي الألماني صادق على البدء ببيع 36 دبابة من هذا الطراز إلى قطر، كمقدمة لعقد صفقات مماثلة مع دول المنطقة.

هذه الحقائق حول حجم الإنفاق العسكري في الخليج "الفارسي" تقودنا إلى البحث في دلالات هذا الإنفاق، والذي لا يزال يثير الكثير من التفسيرات والنظريات المتضاربة أحيانا والمتقاربة أحيانا أخرى، إلا أنها تتقاطع عند نقطة واحدة، وهي أن هذا الإنفاق إنما يأتي على حساب المواطن في هذه الدول وحصته من الناتج القومي.

الدلالة الأهم في هذه الحقائق، هي أن هذه المليارات التي تنفقها حكومات دول عربية في الخليج الفارسي على التسلح، ليست أكثر من جزء هام من المليارات التي تضخ لصالح مصنعي السلاح في أوروبا والولايات المتحدة وآسيا.

وتدرك الدول المنتجة للسلاح أن ارتفاع أسعار النفط المصحوب بالتوترات التي تشتعل حول مناطق إنتاج النفط في المنطقة، يعني أنها ستحصل على المزيد من هذه المليارات، وهو ما يجمع عليه كل منظري السياسة والحرب والاقتصاد في كل العالم.

ومن جهة ثانية، فإن ارتفاع أسعار النفط يجعل بالتأكيد سوق السلاح رائجة، حيث تعمل الدول الغربية على بيع السلاح لتسديد فاتورة النفط المستورد من هذه الدول، وهو ما يفسر عدم انتعاش الدول العربية بعائدات النفط، فقد قفز البرميل من 28 دولار إلى ما يقارب 100 دولار، أي حوالي أربعة أضعاف السعر فأين يذهب الفرق؟

*مجلة العصر -محمد الزعبي?

كلمات دليلية :

آخر الأخبار

الأکثر مشاهدة