الكلمة الطيبة هداية ونور (1)

الكلمة الطيبة هداية ونور (1)
الجمعة ١٧ يونيو ٢٠١١ - ٠٩:٤٥ بتوقيت غرينتش

فالكلمة ترفع مقام صاحبها تارة، وتحط من شأنه تارة أخرى، غير أنّ بعض الناس لا يتصور ما للكلمة من أثر عظيم على شخصه أو المستمعين إليه، فيطلق الكلام جزافاً ويحدث نفسه بما يعود عليه بالضرر.

القسم الأول: التأثير الإيجابي للكلمة.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}(البقرة:83)، وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ الله مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ الله الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ}(إبراهيم:24-26) صدق الله العلي العظيم.

وقال النبي صلى الله عليه وآله: ‹‹لكلمة الطيبة صدقة››.

تأثير الكلمة على الإنسان.

للكلمة الطيبة الأثر الفاعل والكبير، على المتكلم أولاً وعلى المستمعين للكلمة ثانياً، لذا جاءت آي القرآن الكريم والروايات عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة من أهل البيت عليهم السلام مبينة الأهمية الفائقة للكلمة والكلام، الذي يتحدث به المرء، لنفسه أو للمستمعين إليه، فالكلمة ترفع مقام صاحبها تارة، وتحط من شأنه تارة أخرى، غير أنّ بعض الناس لا يتصور ما للكلمة من أثر عظيم على شخصه أو المستمعين إليه، فيطلق الكلام جزافاً ويحدث نفسه بما يعود عليه بالضرر.

تحديث النفس بالكلام.

وهنا ينبغي أن نلتفت أنّ الكلمة تارة للنفس أي يحدث الإنسان نفسه بالكلام، فلحديث النفس الأثر الفاعل، وقد استُعرض في آي القرآن الكريم والروايات، قال إمامنا الصادق عليه السلام: ‹‹إنّ عيسى عليه السلام قال للحواريين: إنّ موسى عليه السلام أمركم لا تزنوا، وأنا آمركم أن لا تُحدثوا أنفسكم بالزنا››، فحديث الإنسان إلى نفسه بالباطل يؤثر سلباً على شخصيته، فيصبح الكلام منطلقاً لعمل سيء، يعود عليه بالمقت والسخط من قبل الله تعالى، فينبغي للمرء إذا أراد أن يتحدث مع نفسه أن يتحدث بالحديث الحسن والكلام الطيب، ولا يحدث نفسه بالقبيح، لأنّ الحديث السيئ يصبح منطلقاً لعمل سيء، فالبداية بالتفكير الذاتي ثم يتحول إلى عمل سيئ، من هنا لا بد للمرء يحدث نفسه إيجابياً ويتحرى كلامه ويدقق الكلمات التي يتفوه بها، لئلا تعود عليه وبالاً وضرراً، لا يمكن تلافيه.

التأثير السلبي للكلمة.

إن بعض الناس يظن أنّ الكلمة إذا تفوه بها لا تعود عليه بالسوء، وقد أبان النبي صلى الله عليه وآله عندما سأله معاذ بن جبل عن تأثير الكلام الذي يتحدث به الإنسان، فقال صلى الله عليه وآله: ‹‹ثكلتك أمك يا ابن جبل، وهل يُكَبُ الناس على مناخرهم إلاّ حصائد ألسنتهم››، فمعاذ كان يتصور أنّ الكلمة إذا تحدث بها الإنسان لا تعود عليه بالوبال ولا ترجع عليه بالضرر، فأبان النبي صلى الله عليه وآله أنّ الكلمة تعود على المتحدث بها بأعظم الآثار السلبية.

السيطرة على اللسان.

وأبان صلى الله عليه وآله أنّ الإنسان يستطيع أن يقي نفسه ويسيطر على لسانه، فيتألق في الرتب المعنوية، فقال صلى الله عليه وآله: ‹‹من ضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه ضمنت له الجنة››، فمن يسيطر على فرجه ولسانه يضمن له صلى الله عليه وآله الجنة، فالسيطرة على اللسان محور أولي عناية كبيرة في الروايات الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة من أهل البيت عليهم السلام، فالكلمة التي تنطلق منّا ونتحدث بها لأنفسنا أو لغيرنا ينبغي أن توزن بميزان العقل والشرع، فيُرى هل أنّ الله تعالى يرضى بها أم لا ؟!

أثر الكلمة الطيبة في الأسرة.

ولا بد من التنبيه على أنّ من أهم الأمور التي ترفع مستوى الإنسان الكلمة الطيبة، ليس لنفسه فحسب، بل لأسرته خصوصاً الزوجة، وقد أبان إمامنا الصادق عليه السلام أثر الكلمة الطيبة في شخصيتها، فقال عليه السلام: ‹‹قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قول الرجل للمرأة إني أحبك لا يذهب من قلبها أبداً››، فإبراز الحب للزوجة يُشعل مصباحاً يُنير وجودها، وينعكس إيجابياً على أطفالها باعتبار أنّ ذلك النشاط والقدرة الفائقة تتحول لطفاً ورحمة على الأولاد، فينبغي للزوج أن يزن كلماته، ويُركز على الكلمة الطيبة لتُحدث آثاراً مباركة، كما أنّ معرفة الإنسان تتأتى بما يتحدث به، قال إمامنا أمير المؤمنين عليه السلام في بيان شخصية المتحدث: ‹‹تكلموا تعرفوا، فإنّ المرء مخبوء تحت طي لسانه››، فالمعرفة لأدب الإنسان وأخلاقه وإيمانه بحديثه وفعله.

طرق مؤثرية الكلمة الطيبة.

ويُفهم الأثر الطيب للكلمة بوضوح من خلال ما رُوي عن إمامنا أمير المؤمنين عليه السلام في قوله: ‹‹وأحسنوا لهنَّ المقال لعلهن يُحسِنَّ الفعال››، فالفعل الحسن يترتب على القول الحسن، وهذا أمر بدهي ووجداني، إذْ أنّ الكلمة الطيبة من الإحسان تستعبد المحُسن إليه، ولا طالما استعبد الإحسان إنساناً، قال أمير المؤمنين عليه السلام: ‹‹أحسن إلى من شئت تكن أميره››، فالإحسان إلى الغير يُحول أمره بيد المحسن، أما الإساءة إليه بالكلمة فتحوله إلى عدو مبغض، فعلى المرء التفكير في كلماته التي يتحدث بها إلى نفسه أو لزوجته وأسرته، فكم كلمة حولت ولداً عادياً إلى ولد صالح غاية في الجد والنشاط، استطاع أن يصنع شخصيته، غير أنّ بعض الآباء والأمهات يُجرمن في حق أولادهن بكلمات سيئة، يقولها الأب أو الأم في حق الابن، فكلمة واحدة قد تُحطم كبرياء شخصية الابن أو تُنزل القيم المعنوية لديه، فلا يرى لنفسه قيمة، وينبغي أن تُدرك الآثار لحديث الوالدين، فالحديث الطيب له الآثار الطيبة في الأبناء، أما الكلمات السيئة فتُحدث آثاراً سيئة لهم، ولذا جاءت الروايات تحضنا على أن نتحدث بالحديث الحسن والطيب لأبنائنا، وقول النبي صلى الله عليه وآله: ‹‹الكلمة الطيبة صدقة››، لا تخص الأولاد، بل تشمل كل إنسان يُتحدث إليه، إلا أنّ الأولاد أولى بذلك، وعلى المسؤول الأول في الأسرة أن يكون حديثه لأبنائه التشجيع والتحفيز والحض على القيم والمثل والخُلق الفاضل والعقائد الصحيحة والأمور التي تجعل شخصية الأبناء محبوبة عند الله مرضية عند النبي صلى الله عليه وآله والأئمة من أهل البيت عليهم السلام.

خطر الكلمة على المجتمع.

أبان إمامنا أمير المؤمنين عليه السلام أنّ المرء عليه أن يعد أقواله من أفعاله، فالقول فعل، لأنه يحدث أثراًَ طيباً أو أثراًَ سيئاً، فقال عليه السلام: ‹‹طوبى لمن أنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من لسانه››، قال تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}(ق:18)، فالملائكة تسجل الكلمات التي يُتلفظ بها، فإذا كانت طيبة كُتبت حسنات ورُفعت خيرات عند الله تعالى، وإذا كانت خبيثة أحدثت آثاراً تعود على قائليها بالضرر والوبال.

أبعاد الكلمة في العصر الحاضر.

وينبغي أن ننبه أنّ الإنسان كان يتحدث بالكلمات قديماً دون أن يترتب عليها الأثر الكبير، الذي يترتب في عصرنا، وقد ينتهي أمدها بانتهاء المجلس الذي يتحدث فيه، غير أنّ الأمر اختلف في عصرنا الحاضر وذلك بوسائل الضبط المتقدمة، فيستطيع الإنسان أن يسجل كلماته بجواله، أو يسجله الآخرون، فالتقنية الرقمية جعلت الإنسان يتقدم كثيراً، ويستطيع أن يحفظ أقواله، والكلمة التي يقولها تبقى دائمة ومستمرة، لا يستطيع أن يتخلص من آثارها، لضبطها مسجلة، لذا ينبغي أن لا يتحدث المرء إلاّ على ضوء الضوابط والقيم.

ضوابط وقيم الكلام.

إذا التفت المرء إلى الضوابط والقيم وزن كلامه، وإذا وزن كلامه أصبح مؤثراً تأثيراً طيباً، أما إذا لم يلتفت لكلامه فقد يريد الخير غير أنه يُخطئ الهدف ويضل الطريق، فما أراده من خير رجع عليه بالسوء، فبعض الناس يريد أن يُقرِب إلى الحق ولكنه يُبعِد عنه.

الكلمة في الحوار مع الآخر.

ويحسن أن نلفت الانتباه إلى المسائل العقدية، فعلى من يحاور الغير في العقائد أن يتحرى الصدق في كلماته والوسطية في طرحه والكلمة الطيبة في حديثه، فبعض من يتحدث في العقائد قد يبعد الناس عن الحق وذلك بعدم الاتباع للنهج السليم، فمن يتفوه بكلمات فيها من البذاءة والسوء فلن يحقق مقاصده بل سيبعد الغير عن مذهب أهل البيت عليهم السلام، فقد روى أبو الصلت الهروي عن الإمام الرضا عليه السلام قوله: ‹‹رحم الله عبداً أحيا أمرنا›› فقلت له : وكيف يُحيا أمركم ؟ قال : ‹‹يتعلم علومنا ويعلمها الناس، فإنّ الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا››، فالكلمة السيئة لا يمكن أن تُقرِب الغير إلى مذهب أهل البيت عليهم السلام مع أنّ خُلقهم الكريم يحض على احترام الغير، أما الكلمة السيئة والبذيئة فتُبعِد أقرب الناس كالزوجة والأولاد، فالكلمة الطيبة تُقربهم وتفرحهم وتُسهِم في صنع مستقبلهم قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ الله مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ الله الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ}(إبراهيم:24-26) ، فالشجرة الطيبة ثمارها طيب، يُؤنس بها حين قطفها، ويُؤنس بأكلها وتعود بالأثر الطيب، ولا بد من إمعان الفكر وتذكر الكلمات التي تقال، قال تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ}(الإسراء: 35)، وقال أيضاً: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}(البقرة:83)، فالآيات التي وردت في القرآن تحض على الكلمة الطيبة. 

المصدر:شبکة اهل البيت للاخلاق الاسلامية

تصنيف :
كلمات دليلية :

آخر الأخبار

الأکثر مشاهدة