ذلك هو السيد حسن نصر الله.. رجل لم يولد فلسطينيا لكنه عاش فلسطين أكثر من كثير من أبنائها.. رآها القضية الأولى والجرح الذي لا يلتئم والبوصلة التي إن ضاعت ضاع معها كل شيء.
في حي متواضع ببيروت ولد السيد حسن نصر الله وعلى مقربة منه كانت المخيمات الفلسطينية تنزف في شوارع لبنان تحكي قصص التشريد واللجوء وتعلم الأطفال أن الخيمة ليست وطنا وأن البندقية أقصر طرق الى فلسطين.
في ذلك المناخ تربى الفتى واكتشف أن قضيته لم تكتب في هويته فحسب بل في وجدانه أيضا.
وقال خبير في الشؤون الإسرائيلية نبيه عواضة:
بطبيعة الحال نتيجة البيئة التي نشأ فيه سماحة السيد تضعه تلقائيا أمام خيار أوحد هو الانتماء للقضية الفلسطينية.
وقال عضو كتلة التحرير والتنمية في البرلمان اللبناني أيوب حميد:
كان من الرعيل الأول في أفواج المقاومة اللبنانية أمل، في بلدته البازورية حينما كان لا يزال في بداية حياته. ونتيجة الظروف القاسية والصعبة التي عاشها الجنوب آنذاك اضطر للنزوح مع عائلته الى بيروت حيث تابع مسيرة الجهاد.
ما كان من الشاب الذي درس العلوم الدينية في النجف الأشرف إلا أن يلتحم وجدانياً بالثورة الإسلامية في إيران التي انتصرت عام 1979 فدعت فوراً إلى تحرير فلسطين وأشهرت معارضتها للهيمنة الغربية، ثم دعمت الحركة الوليدة التي أصبحت لاحقاً حزب الله والتي تشكلت بالأساس بهدف التصدي للغزو الإسرائيلي الذي توغل في عموم لبنان عام 1982.
وقال الكاتب والباحث السياسي قاسم قصير:
هذه البدايات هي التي أسست لاحقاً لاهتمام سماحة السيد حسن إضافة إلى أن الإمام الخميني كان بالنسبة له قضية فلسطين هي القضية الأساس وهو الذي رفع شعار اليوم طهران وغدا فلسطين، تشرب سماحة السيد حسن من رحيق الإمام موسى الصدر إلى الإمام الخميني إلى الموقف الإسلامي تجاه القضية الفلسطينية لذلك كان الاهتمام بالقضية الفلسطينية جزء أساسي من اهتماماته ومواقفه ودوره الميداني والسياسي والإعلامي.
وقال القيادي الفلسطيني خالد عبد المجيد:
لذلك هي علاقة عقائدية، علاقة في ضمير هذا الرجل العظيم الكبير من خلال لقاءاتنا معه، كان يؤكد على هذا الارتباط العقائدي وعلى هذه المسؤولية الكبيرة التي تقع على نفسه وعلى قوى المقاومة في المنطقة وعلى حزب الله.
وقال عضو كتلة الوفاء للمقاومة في البرلمان اللبناني، حسن عزالدين:
"سماحة الشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله منذ اللحظات الأولى لدخول الحرس الثوري التحق بالدورات العسكرية وبدأ حياته الجهادية منذ تلك اللحظة، حيث كان دائما يواكب كل هذه الدورات وكل الشباب المجاهدين حتى بدأت العمليات المقاومة في جنوب لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي".
وقال قاسم قصير:
"عندما حصل الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وبدأ الإخوة في حرس الثورة الإسلامية الإيرانية القدوم إلى لبنان للتدريب، كان هو من أوائل الذين تلقوا تدريبات عسكرية وانخرط في إطار العمل المقاوم وتولى مسؤوليات سواء في البقاع ولاحقاً في بيروت وكان جزءاً من هذا العمل المقاوم الذي بدأ عام 1982."
وفي كل تلك المراحل لم يبقى سؤال عن العدو والهوية. هناك في الجنوب ولد حزب الله ليحمل مشروعاً كبيراً عنوانه أن الطريق إلى القدس يمر من مارون الراس كما يمر من غزة وجنين.
وقال عضو كتلة التحرير والتنمية في البرلمان اللبناني أيوب حميد:
لم ينثن ولم يتردد في متابعة تحصيله العلمي وأيضا من خلال عناية الإمام موسى الصدر (أعاده الله بخير) كان هناك توصية شخصية منه للإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر لاحتضان سماحة السيد حسن.
وقال عضو كتلة الوفاء للمقاومة في البرلمان اللبناني، حسن عزالدين:
يعني قضية فلسطين كانت أولى القضايا في اهتمامات حزب الله والمقاومة الإسلامية.
وأردف أيوب حميد:
لذلك هو تدرج في الجهاد والنضال بكل معنى الكلمة بكل الميادين العلمية والثقافية وصولا إلى الإدراك الذي كان يختزنه فيما يتعلق بواقع الحرمان في لبنان، والعدوان الإسرائيلي المتمادي على لبنان أكان على جنوبه أم على أي بقعة من لبنان.
منذ ذلك الحين صارت فلسطين جزءاً من اسم الحزب وحين تولى قيادته، شدد على استراتيجيته.
لبنان يقاوم.. لكن فلسطين هي الهدف وصار واضحاً أن لا فصل بين بيروت وغزة ولا بين الجنوب اللبناني ورام الله، كلها جبهات في معركة واحدة في تلك الفترة كان إلى جواره صديقه الذي يكبره بـ8 أعوام، السيد الشهيد عباس الموسوي والذي سبقه إلى منصب الأمين العام للحزب، كما سبقه إلى الشهادة في شباط فبراير من عام 1992.
وأشار قاسم قصير:
القضية الفلسطينية هي من القضايا التي أخذت اهتماماً من كافة علماء الإسلام خصوصاً الإمام السيد موسى الصدر خاصة أنه في فترات السبعينيات وأواخر الستينيات من القرن الماضي كان المناخ العام في لبنان متأثرا بالمقاومة الفلسطينية وبنشوء المقاومة الفلسطينية وتصاعد العمليات والمواجهة مع العدو الإسرائيلي، وبطبيعة الحال نتيجة وجود لبنان ضمن دائرة الصراع وكان يتعرض لإعتداءات بشكل مباشر وبشكل دائم، كانت الأنظار تتجه من سماحة السيد باتجاه القضية الفلسطينية.
وتابع قاسم قصير:
بما أن سماحة سيد حسن نصر الله كان من الذين تابعوا مسيرة الإمام موسى الصدر وعمل حسب ما هو رأى في أحد أحاديثه في منطقة حي شرشبوت وكان من المتأثرين بالإمام الصدر.
ويقول أيوب حميد:
حينما ينهل من معين الإمام الصدر ومن معين الإمام محمد باقر الصدر والذين عبرا عن أحقية نصرة فلسطين وأبناء فلسطين والقدس وأنه دون القدس لا معنى لقيمنا ووجودنا ومعلوماتنا ومعنوياتنا فلذلك هو تشرب هذه العقيدة التي تتوجه باتجاه الحق ونصرة المظلومين في فلسطين.
شهدت المقاومة الفلسطينية تطورات نوعية منذ انتفاضة الحجارة في عام 1987 لكن التحول الجوهرية في استراتيجيتها جاء بدعم وإسناد من السيد حسن نصر الله الذي لم يكتف بتقديم الإمدادات العسكرية أو التدريب بل نقل التجربة اللبنانية في المقاومة إلى الساحة الفلسطينية.
وقال الخبير في الشؤون الإسرائيلية نبيه عواضة:
منذ بداية نشوء المقاومة في لبنان وارتباطاً بالاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، كانت هناك علاقة وطيدة مع القضية الفلسطينية بالنسبة لسماحة السيد.
وقال القيادي الفلسطيني خالد عبد المجيد:
وخلال وجودنا في الساحة اللبنانية في السبعينات والثمانينات كان السيد نصر الله على علاقة غير مباشرة مع الفصائل الفلسطينية، من خلال دوره الطليعي في بداية عمره.
ويبين قاسم قصير:
سواء بالرسالة المفتوحة أو بمواقفه وتجلى ذلك عمليا عبر تقديم كافة أشكال الدعم للقوى الفلسطينية.
استطاع السيد حسن نصر الله أن يحوّل المحور ليعمل ضمن استراتيجيات تصاعدية حولته من مجموعات مقاومة محدودة التسليح إلى قوة ضاربة قادرة على هزيمة كيان الاحتلال ومشاريعه.
ويقول خالد عبد المجيد:
كانت علاقة سماحة السيد حسن نصر الله رضوان الله عليه استثنائية مع المقاومة الفلسطينية واستثنائية مع الشعب الفلسطيني. وكان دائما هو السباق دائما في متابعة تفاصيل القضية الفلسطينية سواء مع الفصائل الفلسطينية أو مع كل المعنيين في الشعب الفلسطيني.
وقال حسن عزالدين:
سماحة السيد شكل العمود الفقري للمحور وبالتالي هذا الدعم الذي قدمه سواء في خطابه السياسي أو في لقاءاته أو في نسج العلاقة مع سائر أعضاء المحور أو مع المقاومين والمجاهدين سواء في فلسطين أو في الأماكن الأخرى، والكل يعلم بأن حزب الله والمقاومة ساهمت في تقوية وتعزيز العلاقة مع الفصائل الفلسطينية.
وقال عمر عساف منسق المؤتمر الفلسطيني 14 مليون:
فرض وجوده وحضوره وشخصيته على الأعداء كما على الأصدقاء وعلى الخصوم كما على الحلفاء.
ويقول حسن عزالدين:
كان يقود من خلال توجيهاته ومن خلال متابعته لكل احتياجات المحور كان يشكل صلب وعمود الخيمة في هذا المحور.
وقال خالد عبد المجيد:
وكانت إحدى هذه المحطات، الحرب التي شنت على قطاع غزة قبل أكتوبر وسميت وحدة السحر، هذا الأمر كان مدار بحث بين فصائل المقاومة الفلسطينية وسماحة السيد خاصة عندما توحش الكيان الصهيوني في عدوانه على قطاع غزة وفي عدوانه المستمر على المقاومة.
المفارقة التي حيرت كل من في الكيان الإسرائيلي هي أن هذا الرجل عدوهم الأول صار أصدق في عيونهم من حكوماتهم.
ويقول قاسم قصير:
من المعروف وطبعاً اليوم أصبحنا نسمع تعليقات المسؤولين الصهيونيين أن سماحة السيد حسن نصر الله كان هو الركن الأهم في محور المقاومة.
كما يقول عمر عساف منسق المؤتمر الفلسطيني 14 مليون:
فمعروف أن الاحتلال وسلطات الاحتلال وإعلام الاحتلال كان يثق بما يقوله السيد أكثر ما كان يثق بما تقوله حكومته.
ويقول خبير في الشأن الإسرائيلي عماد أبو عواد:
حقيقة بأنه كان هناك دائما استطلاعات رأي في إسرائيل: هل تصدقون الأمين العام لحزب الله أم تصدقون الساسة في إسرائيل؟ وكانت كفة التصديق لسماحة الأمين العام لحزب الله ترجح على كفة السياسيين الإسرائيليين.
والإعلام الإسرائيلي كان يعتبر بأن كل خطاب لنصر الله يعتبر بمثابة حقيقة ثابتة على الأرض ومثابة تهديد استراتيجي ومثابة خطة عمل توجهها المقاومة اللبنانية إلى إسرائيل.
بنى المحور مشروعه المقاوم برؤية وحكمة بعيدا عن الاستعراض وخاض المعارك بتصاعد تدريجي حتى وصل إلى لحظة أدرك معها أنه قادر على التحول من الصمود والدفاع إلى الهجوم، فكان السابع من أكتوبر وكانت جبهات الإسناد.
وقال القيادي الفلسطيني خالد عبدالمجيد:
بعد 7 أكتوبر كان هناك نقاش في داخل الحزب وفي إطار محور المقاومة فسماحة السيد كان من السباقين والذي أكد أنه لا يستطيع أن يرى هذا العدوان على قطاع غزة ولا هذه الحرب على قطاع غزة. واتخذ قرارا استراتيجيا برأينا في دعم وإسناد المقاومة الفلسطينية.
ويقول نبيه عواضة:
استنادا إلى كل السجل السابق لم يكن أمام سماحة السيد إلا الدخول في هذه المواجهة نقاش كبير حصل حول موضوع التوقيت هل كان التوقيت مناسبا مؤاتيا ملازما لتصاعد العنف الإسرائيلي والإبادة الإسرائيلية والجريمة الإسرائيلية في غزة وفي فلسطين عموما، لكن مجرد أن تقول بأنه منتمي ضمن الأولويات الإنسانية والأولويات الجهادية والنضالية لسماحة السيد لم يكن غريبا أن تجده في صلب هذا الميدان ولو لم توجه له دعوة رسمية.
السابع من التشرين الأول طوفان أعاد فلسطين إلى قلب العالم، أما في بيروت كان الصوت الذي انتظره المقاومون، نصر الله يعلن أن غزة ليست وحدها وأن المعركة واحدة وأن زمن العزلة انتهى.
لم يكن الكلام مجرد تضامن، بل فتح جبهة أربكت حسابات العدو وأثبت أن الحدود وهم وأن القضية هي فلسطين وأدخل استراتيجية وحدة الساحات إلى الاختبار العملي وأنهى أسطورة أرض السمن والعسل التي تجتذب المستوطنين، وحوّلها إلى أرض الصواريخ والمسيرات والملاجئ.
وقال أيوب حميد:
عندما عز النصير للقضية الفلسطينية كان سماحة السيد في أكثر من مكان وموقع. دائما كان يعتبر أن القضية الأساس هي قضية فلسطين.
وقال قاسم قصير:
وأتت حرب الإسناد التي يمكن آنذاك سماحة السيد حسن نصر الله قال إننا أخذنا قرار إسناد القضية الفلسطينية في اليوم الثاني لمعركة طوفان الأخصى لأن هذه الحرب وهذه المعركة هي معركتنا وأصبحت جزءا من تاريخ حزب الله ومواقف حزب الله.
لم يولد في فلسطين لكنه حملها في قلبه حتى غدت جزءا من اسمه. عاش عمره يردد أن القدس هي البوصلة وأن المقاومة هي الطريق.
وقال عمر عساف:
شكل نموذجاً في القيادة، وشكل نموذجاً في الانتصار، وشكل نموذجاً في التعبئة، وشكل نموذجاً كقدوة في أن يقدم ابنه شهيداً في مجال المواجهة مع الاحتلال.
صباح الـ27 من أيلول سبتمبر من عام 2024 ، حقق السيد حلمه بالشهادة فصار سيدا لشهداء القدس، على طريق المقاومة التي اختطها ستسير أجيال من المقاومين نحو التحرير، وذات مساء عندما يصل هؤلاء المقاومون والثوار إلى القدس سيكون السيد حسن إمامهم، وسوف يسمع ذلك الجيل قصص المقاوم الشهيد الذي لم يخامره شك في حتمية الانتصار وسيقف طفل عند مرقده ليقول: نفذنا وعدك يا سيد المقاومة وأزلنا إسرائيل.
ويقول:
السيد بالنسبة لنا مش بس الأمين العام لحزب الله، هو كان قائدا وكان أبا لنا وكان هو المربى إن شاء الله هو قدوتنا للأيام القادمة، وصح أنه هذه أول حرب أعيشها بس إن شاء الله نحن حول تحديات عشناها بعيد الحرب رح نقشفها للأجيال القادمة.
وحين يكتب تاريخ فلسطين الحديث، سيبقى إسم حسن نصر الله محفورا فيه كشاهد صادق على أن هذه الأمة مهما ضعفت، لم تنس أن لها أرضا إسمها فلسطين.
واعتبر نبيه عواضة:
لم يكن سماحة السيد شخصاً عادياً وفعلاً إن كنا يعني نريد أن نضعه في خانة نقول إننا كنا جميلين لأننا عشنا في زمن السيد حسن.
ويسأل أيوب حميد:
هل هناك أكثر من أن يستشهد في سبيل فلسطين ونصرة فلسطين؟ ماذا بعد ذلك؟